أصدر الناخبون في ولاية أيوا الأميركية أول حكم في سباق الرئاسة الأميركية لعام 2012، حيث بدت نتائج التصويت أقرب إلى مناوشات منها إلى حفل تتويج لميت رومني الذي كانت معظم وسائل الإعلام تتأهب لتغطيته.

 فقد تمكّن رومني من انتزاع انتصار بفارق ثمانية أصوات فقط على منافسه ريك سانتورام (من أصل 120 ألف صوت)، وحلّ المرشح رون بول في المركز الثالث بفارق ضئيل، بينما جاء نيوت غينغريتش رابعاً بفارق كبير في الأصوات. يحظى رومني بتفوق هائل في "نيوهامبشاير" وهي المحطة التالية في السباق الانتخابي، لكن إخفاقه في الحصول على عدد أصوات أكبر مما حصل عليه في انتخابات 2008 يشير إلى أن المصوتين لصالح الحزب الجمهوري لا يرون أن انتخاب رومني، وهو الحاكم السابق لولاية "ماساشوستس" حتمياً. فالكثير من الجمهوريين، لا سيما النخبة في الحزب الجمهوري، يلتفون حول رومني حيث يعتبرونه أكثر المرشحين أهمية، وهو ما يعني لهم أنه الشخص الأقل اتساماً بوجود نقاط ضعف.

 

القابلية للانتخابات

لكن مسألة القابلية للانتخاب تعد مفهوماً غير ثابت، خاصة قبل 10 شهور من نوفمبر المقبل. وكان ذلك هو التصور نفسه لدى الديمقراطيين حيال جون كيري في عام 2004، في الوقت الذي كانت قناعة وسائل الإعلام الأميركية أن ممثل السينما السابق اليميني كان غير قابل للانتخاب في عام 1980. وقد أحسن الناخبون الأميركيون صنعاً في إسقاط نظرية المحللين، واختيار أفضل رئيس أميركي محتمل.

وبهذا القياس، فإن رومني يستحق التقدير على إصراره وانضباطه. ورغم أن هاتين الخصلتين ليستا ملهمتين، فإنهما مفيدتان بالنسبة لمرشح أو لرئيس. فالرجل الذي أنقذ أولمبياد عام 2002 أثبت أنه بإمكانه تجميع فريق والتصدي للضربات من حملة رئاسية حديثة. لقد أبدى رومني ضراوة في الهجوم على منافسيه اللذين كانا مصدر تهديدات له، وهما ريك بيري وغينغريتش، حيث شن الهجوم من اليسار أو اليمين أينما تسنى له ذلك.

إلا أن مغازلة "أيوا" مع وجود هذا العدد الكبير من المرشحين "غير الرومنيين" يظهر أن أغلبية الجمهوريين لا تزال تعتبره أقل إقناعاً. وتريد وسائل الإعلام أن تعزو ذلك إلى التحيز المناهض للمورمون. لكن استطلاعات الرأي تظهر أن مورمونية رومني هي قضية أكبر بين الديمقراطيين مما هي عليه داخل الحزب الجمهوري.

القضية الحقيقية هي أن رومني سياسي حذر وتقليدي في السنة التي يريد الكثير من الناخبين الجمهوريين خلالها شخصاً على استعداد للنضال من أجل تغيير أكثر جرأة.

فعلى صعيد الاقتصاد بوجه خاص، يطرح رومني خطة هي الأقل طموحاً بالنسبة لنمو الاقتصاد الأميركي. وكشف خطته المؤلفة من 59 نقطة للوظائف في شهر سبتمبر الماضي، التي يصعب حتى تذكر ولو نقطتين منها. كذلك فإن رفضه استبعاد قيمة الضريبة المضافة، هو أيضا أمر مثير للقلق، خصوصاً إذا فاز الديمقراطيون بالأغلبية في مجلس النواب خلال رئاسته.

التأييد الذي يحصل عليه رومني أقل بالنسبة لبول عن كراهيته بشكل عام للوضع الراهن. ويبدو أن بول صادق، أكثر من أي مرشح آخر، في رغبته للتقليل من شأن واشنطن. فهو أمين فيما يتعلق بالتشريع، رغم أنه غالباً ما يكون غريباً في التعبير عن ذلك. التعامل مع حالة الإحباط والحماسة لناخبي بول سوف يشكل أمراً حيوياً لأي حملة انتخابية للحزب الجمهوري خلال 2012، وللوصول إلى حكم ناجح في عام 2013، ولا ينبغي للمرشحين الآخرين أن يغفلوا هذا الأمر.

 

الأجندة الاقتصادية

وبالنسبة للمرشح سانتورام، فإنه يتلقى أكبر صدمة من ولاية أيوا، وهو السناتور السابق عن ولاية بنسلفانيا لفترتين، حيث يتقدم ببطء شديد في زياراته لـ 99 بلدة ويطرح قضايا أخلاقية واجتماعية. كما أنه مؤثر للغاية في المناظرات، لا سيما المتعلقة بالسياسة الخارجية. ولكنه لكي يكون أكثر من مجرد شخصية عابرة في أيوا، فإن سانتورام بحاجة لأن يوسع نطاق رسالته الانتخابية لكي تشمل النمو الاقتصادي وأن تتسم بقدر من التفاؤل. وفي غمار حماسته الأخلاقية، يمكن أن يبدو أحياناً مثل عضو مؤسس في ائتلاف المبادرة في الهجوم على الآخرين، وذلك عندما يفضل معظم الناخبين نزعة تقليدية أكثر تسامحاً.

والأهم من ذلك، أنه نادراً ما يتحدث بشأن أجندته الاقتصادية الأوسع نطاقاً، أكثر من التأكيد على رغبته في "إحياء قطاع التصنيع". يتعين على الولايات المتحدة أن تصنع كل شيء يمكنها تصنيعه وتصديره بشكل تنافسي، لكن قطاع التصنيع يشكّل حالياً 11% فقط من الاقتصاد الأميركي. سوف يخفض سانتورام ضريبة الشركات إلى الصفر بالنسبة للمصنعين، ولكن سوف يخفض النسبة إلى 17.5% من 35% بالنسبة للشركات الأخرى.

ويبدو التبرير الوارد بشأن هذا التفضيل سياسياً أكثر من كونه اقتصادياً، وهي لعبة تصب في مصلحة الناخبين من ذوي الياقات الزرقاء الذي يعملون غالباً في هذا القطاع. فكيف سوف يميّز سانتورام هذا التفضيل عما فعله الرئيس الأميركي باراك أوباما حيال شركة سيليندرا أو السيارات الكهربائية؟ فالهيكل الضريبي العام لمواطني بنسلفانيا أفضل من ذلك، بما في ذلك عملية الإصلاح التي من شأنها تخفيض معدلات الضرائب على الأفراد إلى اثنين، من 10% و 28%، بغض النظر عن باقي التفاصيل. ولكي يتفوق على رومني، فسوف يكون بحاجة إلى توسيع نطاق رسالته الانتخابية ويجعل النمو الاقتصادي هو الموضوع الرئيسي.