كيف تسنى لهم ان يستمروا كل هذه المدة؟ كنا حريصين للغاية على تحليل الثورات في 2011، ونسينا سجل هؤلاء الرجال الأشرار وقوتهم المكابرة المطلقة التي لا ترحم في البقاء. تتحمل الناس الطغاة لسنوات هذا ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون وهو في طريقه إلى مؤتمر باريس للسلام عام 1918، مضيفاً: لكنهم يمزقون مخلصيهم إذا لم تبدأ ألفية جديدة في التشكل على الفور، هكذا يبدو المشهد في مصر، وهذا ما حصل في ليبيا، تونس وحدها تلك البلاد الصغيرة الشجاعة تماسكت أعصابها لما بعد الثورة. لكن كيف تمكن هؤلاء الرجال من التشبث بالسلطة؟

يحوي كتيب الطغاة العرب من تأليف أياد بغدادي الذي نشرته الصحيفة اللبنانية لوريون لو جور، نصائح موجهة للدكتاتوريين على الشكل الآتي:

أولا، شدد على أن البلاد التي تحكمها هي ليست اكس، ذلك أن اكس خاضت ثورة قبل بضع سنوات، وألقى باللائمة على موقع الجزيرة ومن ثم اغلق مكاتبها في البلاد. ثم قل أنا أدعم الشباب في الوقت الذي تقتل القوات الأمنية التابعة لك هؤلاء الشباب بالذات. ثم قم بإدانة جماعة الإخوان المسلمين صعودا إلى الشر المتمثل بتنظيم القاعدة. وفي بداية الاضطرابات، تظاهر بأنه لا يجري شيء في البلاد، وعندما تعلم بالاضطرابات متأخرا جدا، فوجه كلامك للأمة في منتصف الليل، ثم حذر من الطائفية والقبلية وغيرها من الأوصاف التي تخيف الناس، ثم صرح بأن بقاءك في السلطة يعني الاستقرار.

 

مزيد من النصائح

هذه صورة فوتوغرافية عن كل دكتاتور في الشرق الأوسط. لكن هناك المزيد من النصائح: اعلن تشكيل حكومة جديدة، وحكومة أخرى، ثم أحرق مراكز الشرطة وألق باللائمة على المحتجين. وشدد على أن كل شيء على ما يرام. وإذا ساءت الأوضاع، فاقطع كل خطوط الهاتف، وأوقف كل وسائل الدخول إلى وسائل التواصل الاجتماعي. وأكد أن المحتجين يمثلون اقلية ضئيلة من الشعب، وذكر الجميع بنتائج الانتخابات الأخيرة . وصرح بأن التغيير هو بالتأكيد ضروري، وأغدق الوعود المفرحة بشرط بقاء الشباب في منازلهم، ووجه الأوامر إلى وزير الداخلية بقتل الناس، ومن ثم اصرفه بسبب استخدامه القوة المفرطة.

وقائمة بغدادي تطول وتطول.

نظم تظاهرات لمصلحة النظام، ووافق على إجراء مقابلة مع صحافي مشهور، وامنع المآتم، وإذا وجه الغرب انتقادات ضدك، فقم بإدانة تدخله، وقل إنهم لا يفهمون ثقافة البلاد. وحذر من التدهور الاقتصادي، لكن لا تذكر الوضع الاقتصادي في البلاد قبل بدء الثورة، وبإمكانك تحسباً حجز جناح في فندق خارج البلاد.

وتوجد قائمة أخرى من النصائح للأوتوقراطيين، تبدو مماثلة لقائمة بغدادي، بقلم الكاتب اللبناني ملحم شاؤول. يقول شاؤول إن سلطة الدكتاتور شخصية ومطلقة، والقوانين موجودة لحماية نظام هيمنته، وينبغي أن يحيط نفسه بدائرة عائلية من المخلصين، ويشكل الرعب والفساد والدعاية الأركان الثلاثة لسلطته، والمواطنون الذين يعارضون حكمه ينعتون بـ الجرذان أو الديدان أو ما شابه. وفي مهزلة الفساد، فإن الجميع مدعو للمشاركة، من ضابط الجمارك الصغير إلى التاجر الكبير.

يقول: إذا كان هناك من حق في ظل الدكتاتوريات العربية، فإنه الحق في أن تكون فاسدا، والجميع إما متورط أو متواطئ، ومن يرفض هذه اللعبة مشبوه وخائن، ويفترض أن يأخذ حذره! فالأمانة شبهة.

 ويوافق شاؤول بغدادي على الشعار الشائع للدكتاتوريين العرب نحن أو الفوضى، بمعنى فرض الاستقرار بأي ثمن. ويرى أن الترهيب من الحرب الأهلية يشكل هدفا لهم، فيقول: عندما تتظاهر هذه الأنظمة بأنها تكافح الإرهاب، لا سيما المتشددين بينهم، فإنها تحارب مجموعات أوجدتها ويضيف: والمتراس الأخير للنظام يتمثل في القبائل التي تتحول إلى ميليشيا مدججة بالسلاح دون تدريب، لمراقبة الجيش والشرطة العادية. لقد شاهدت هؤلاء الدكتاتوريين طيلة 40 عاما وأفهم طرق عملهم.

ينبغي عليهم تعلم كيفية التحدث مع الحشود والسير مع كبار الشخصيات، لم يكن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات سعيدا أبدا، كما كان يقول، بقدر سعادته عند قضاء عطلته في قريته المتواضعة.

وكان صدام حسين يرتدي ثياب الفلاحين الأكراد، وكان معمر القذافي يستمتع في خيمته البائسة، لكن الرؤساء ورؤساء الوزارة والوزراء في الغرب يشعرون بالراحة في قصورهم. وبهذه الطريقة، كان بإمكان سادة الغرب وسادة الصحراء الشعور وكأن كلاً منهم في منزله، لكن بعد تبادل تقنيات التعذيب، الكل كان يعلم أنه وراء السلطة توجد الملاقط والكماشات والأسلاك الكهربائية.

 

الطريق الصعب

لذا، فإن الطريق الوحيد لإسقاط الأنظمة يأخذ شكل الحرب الأهلية الدموية كما في ليبيا واليمن وسوريا، أو المدنية كما في مصر.

ولغرابة الموقف، فان أياً من العرب يبدو أنه تابع السلوك المشابه للزعماء الغربيين. ربما بإمكاني المساعدة ببعض النصائح هنا.

استمروا في دعم الدكتاتوريين المعتدلين إلى ان يفوت الأوان، ويصبح واضحا في الأيام الأخيرة أن الناس ستسقط أصحاب الثروات المحليين، عندها تدعون لإسقاطهم بأمل أن يعتقد الناس أنكم كنتم تقفون إلى جانبهم دوما.

وإذا ظهر أن الدكتاتور يفوز، وخصوصا إذا كان يملك كثيرا من النفط، فإنكم تستطيعون مساعدة الثوار عسكريا بمحاولة قتل حليفكم السابق، وهذا مفيد بالتحديد إذا كان لعابكم قد سال سابقا تعطشا لسرقة موارد بلاده الطبيعية. ومسرحية بلير- كاميرون مع مؤلف الكتاب الأخضر هي مثال على ذلك. وبالطبع يوجد مسار آخر يتمثل بالغضب من الدكتاتوريين الفقراء بالنفط الذين يقتلون شعبهم، ودعوتهم للتنحي جانبا بدلا من التنحي عن الحكم إذا كانت هناك مخاوف من أن يؤدي استبدالهم إلى إحلال من هم أسوأ محلهم بالنسبة لهم أو لحليفتهم إسرائيل. وإذا كان الدكتاتوريون أغنياء جدا أو مفيدين استراتيجيا، فيمكن انتقادهم، لكن لا ينبغي الدعوة إلى إسقاطهم تحت أية ظروف.