وصلت إلى فندق الرشيد في بغداد في 28 نوفمبر الماضي، قبل لحظات من وقوع الانفجار على بعد مئة ياردة من مبنى البرلمان. لم أدرك في حينها أن هذا الانفجار سوف يشكل تغييرا مهما في توجهات السياسة العراقية، والأمر قد يكون مجرد عذر، لكن التفجير أعطى إشارة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للقطيعة مع أعضاء كبار في حكومته.
فهل يشكل هذا الأمر تفككا نهائيا للعراق؟ هل يتحول المالكي إلى نسخة من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين متخليا عن المساومة، ومركزا السلطات في يديه، ومعتمدا على القوة الخالصة؟ هل يمتلك الأدوات للقيام بذلك؟
الأمر لن يكون سهلا، حتى في ظل إيرادات نفطية تصل إلى 100 مليار دولار في السنة، ووجود قوات أمن يبلغ تعدادها 900 الف جندي وعناصر شرطة.
مشكلات المالكي
كانت لصدام وسائل أهم للقمع، ومع ذلك فشل في تأسيس قوته المطلقة. فشل لأن المجموعات الرئيسية الثلاث المكونة للعراق يصعب قمعها بشكل دائم. ولقد قام هو وحكام قبله باستخدام المذابح والترهيب ضد الأكراد، لأكثر من 40 عاما، لكنه لم يتمكن من سحقهم. ويواجه تركيز السلطة في العراق عراقيل كثيرة جدا، لأن كل طرف من الأطراف لديه حلفاء أجانب يستدعيهم تحت الضغوط.
وقد يبدو أن للمالكي ميزة إيجابية لصالحه، تتمثل في قواته المسلحة، إلا أن الأمر ينطوي على خداع. فقواته المسلحة تعدادها كبير، لكنها متداعية، وغالبا بلا كفاءة. والقاعدة في بلاد ما بين الرافدين ليست كبيرة إلى هذا الحد، لكنها كان لا زال بإمكانها زرع أكثر من عشرات القنابل في بغداد في 22 ديسمبر.
والأمر الأكثر أهمية هو أن قيادة المالكي جاءت نتيجة لمساومة، عندما تم اختياره رئيسا للوزراء لأول مرة في عام 2006، ولمرة ثانية في عام 2010، وكان له أعداء كثر دوما، لكن تبين أنهم منقسمون على أنفسهم لاختيار مرشح بديل مقبول بالنسبة لهم جميعا، وقد دان الساسة الأكراد والتابعون للزعيم الشيعي الوطني مقتدى الصدر المالكي خلال ولايته الأولى، لكنهم انضموا إلى حكومته الجديدة في نهاية المطاف.
وحقيقة أن المالكي قد يكون الزعيم الوحيد المقبول أميركيا لا تقل شأنا من حيث الأهمية، لأنه لا يجري الانتباه كثيرا إلى الوضع القائم غير المتداول في البلاد، وكان المالكي المستفيد الأول من هذا الوضع خلال عامي 2006 و2010، وعندما تم اختياره، قال له مسؤول عراقي: التقى الخصوم مجددا، واختاروا المالكي رجلهم.
بصمة الفساد
وهي سياسة كان لها معارضوها في الخارج. يقول دبلوماسي غربي كان مقيما في السابق في بغداد: اعتقد أنها كانت غلطة كبيرة لأميركا أن لا تقول في 2010 إن المالكي غير مقبول بالنسبة لها. ويضيف: كان يفترض رفض المالكي لأنه كان طائفيا عازما على بناء دولة استبدادية، وهذه الدولة فاسدة ومختلة.
وقد وصل الفساد إلى مستويات عالية مع تحويل أموال الدولة العراقية إلى الخارج لإخفاء الشركات المملوكة بالسر لمسؤولين في الداخل، أما البطالة، فإنها تتراوح ما بين 25-40%، وهناك فشل في تأمين إمدادات مناسبة من الكهرباء، في الوقت الذي تمكنت وزارة الكهرباء من الموافقة على دفع 1.3 مليار دولار إلى شركة ألمانية مفلسة والى شركة كندية غير موجودة، وموازنة الحكومة تنفق أساسا على المعاشات وأموال التقاعد، أما المتلقون فيكونون في الغالب على علاقة مع الأحزاب الحاكمة.
والرشاوى متفشية في كردستان العراق أيضا، بحسب رجال الأعمال، إلا أن الطرقات والمطارات والجسور ومحطات الطاقة والبيوت يجري بناؤها، في الوقت الذي لا يتم ذلك في بغداد. وهناك مصارف معدودة، وهذه تجري سرقتها علناً من قبل مسؤولين في الدولة. وعلى المدى الطويل، فإن الفقر والحرمان الواسع المستمر قد يكون سببا لعدم استقرار العراق، تماما كما الفروقات الطائفية، على الرغم من ارتفاع إيرادات النفط.
