تتمثل إحدى الطرق لتقييم الحالة الراهنة للوحدة الأوروبية في أن نعلم أن تركيا، التي سعت بقوة للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي على مدى العقد الماضي، تتردد الآن بشأن مشروع الانضمام إلى الاتحاد. ووفقاً لصندوق مارشال الألماني، في عام 2004 كان ثلاثة أرباع الأتراك يعتقدون أن عضوية الاتحاد الأوروبي فكرة جيدة، وفي العام الماضي انخفضت هذه النسبة إلى أكثر قليلاً من الثلث.

وفي تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" تم إبراز سؤال حادّ من أحد المؤيدين البارزين لحكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، ومفاده أن الاتحاد الأوروبي ليس له أي تأثير على تركيا، و أن معظم الأتراك يتساءلون: "لماذا ينبغي علينا أن نكون جزءاً من مثل هذه الفوضى؟" والأسباب الكامنة وراء ظهور هذا التطور تخبرنا الكثير بشأن أوروبا وسعيها المترنح للوحدة الاقتصادية والسياسية، وبشأن تركيا أيضاً.

ليس من الصعب أن نفهم سبب وكيفية التفكير في فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد بجدية. فالاتحاد الأوروبي ذاته يعد تتويجاً لعدة عقود من التفكير بالتمني أن تجربة حربين مدمرتين أقنعت الأوروبيين تنحية الخلافات القومية جانباً في إطار قضية مشتركة عابرة للحدود، وأن هذه القضية أقنعت الأوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية بالتخلي عن عملاتهم (وإلى حد ما سيادتهم الوطنية) لصالح منطقة نقدية مشتركة و سلطة محدودة في مقر أمانتها العامة ببروكسل.

والآن فإننا نعرف كيف تطور هذا الأمر. منذ فترة طويلة، تعود إلى عام 1914 دهش الاشتراكيون لاكتشافهم أن الأوروبيين من الطبقة العاملة يميلون إلى النظر إلى أنفسهم على أنهم فرنسيون وألمان وايطاليون، وليسوا اوروبيين، عندما تندلع الخلافات بينهم.

و في الوقت الذي ربما رحب الأوروبيون، لأسباب مختلفة، بإنشاء منطقة اليورو، والألمان كوسيلة لتأكيد الهيمنة الاقتصادية، و اليونانيون لاقتناص الفرصة للحاق بركب النجوم، ومنذ ذلك الحين تعلموا الدرس المألوف أن السلسة على درجة من القوة بقدر أضعف حلقة فيها. و بات الرأي العام في ألمانيا يضيق ذرعاً بفكرة إنقاذ الأعضاء الأقل اقتصاداً في الاتحاد الأوروبي، و بالمثل نفد صبر الرأي العام في اليونان من التقشف الذي تمليه برلين.

 

تعامل بالمثل

تعتمد عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، إلى حد كبير، على التعامل بالمثل. وتعد تركيا بلداً مترامي الأطراف، يقع غالبيته في آسيا الصغرى، ومأهول بأغلبية ساحقة من المسلمين، وتحكمه حكومة إسلامية ناجحة على نطاق واسع.

ومن الصعب تخمين مدى ما يشعر به مواطن ايرلندي أو بلجيكي متوسط فيما يتعلق بالجوانب المشتركة مع بلد يشترك في حدود مع العراق، لكن ليس من الصعب للغاية قياس المشاعر الشعبية في كورك أو أنتويرب بشأن فتح الحدود والعمل أمام عشرات الملايين من العمال الذين يقصدون مكة في صلواتهم.

تكمن المشكلة، بالطبع، في أن الرأي العام، أو بعبارة أخرى، الديمقراطية، لم تكن جوهرية بالنسبة للمشروع الأوروبي. فقد رحبت القيادة السياسية في أوروبا باحتمال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي من أجل السبب نفسه الذي سعت الحكومات التركية السابقة إليه للانضمام للاتحاد.

ومنح التحالف العسكري بين تركيا والغرب، المتمثل في حلف "الناتو"، شيئا للطرفين، فقد أبقى على تركيا، الممتدة تاريخياً بين الشرق والغرب، في المعسكر الغربي إبان الحرب الباردة، و قدم للاقتصاد التركي المتنامي والنخب التي تبنت النموذج الغربي فرص متزايدة للوصول إلى الأسواق الأوروبية.

الآن انقلب كل ذلك رأسا على عقب. فالأساس المنطقي الاستراتيجي لعضوية تركيا في حلف ناتو لم يكن له وجود منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وبين الربيع العربي و نمو المشاعر الاسلامية في العالم الإسلامي، ترى حكومة أردوغان فرصها لبسط النفوذ في الشرق، و ليس الغرب.

كما أنه ليس هناك الكثير من الأدلة على أن تركيا قد وجدت نفسها مضطرة إلى الالتزام بنوع من الإصلاحات الداخلية الشاملة المطلوبة للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد نجح في تقليص قدرات القيادة العليا، تظل تركيا دولة ديمقراطية على الرغم من أنف جيشها.

و بينما أجريت بعض التحسينات في مجال حقوق الإنسان، فلا يمكن الزعم أن الأقلية الكردية ولا الصحافيين الأربع و الستين المسجونين حاليا بتهمة إهانة الهوية التركية أنها ليست ديمقراطية كافية.