يندر أن تضم دولاً شخصيات عملاقة و مؤثرة إلى حد تترك معه بصمة ممتدة عبر الأجيال، التي تتذكر هذه الشخصيات و تجلّها. هذا أمر نادر، لكنه عندما يحدث، فإنه يؤدي إلى سحر وتحول هائلين بحيث يجعلان الدول تتطور متجاوزة التصورات. فقد كان من بين هؤلاء الزعيم الهندي الراحل غاندي و الزعيم الباكستاني الراحل قائد اعظم محمد علي جناح و الجنوب إفريقي نيلسون مانديلا.

إننا هذه المرة بصدد الحديث عن شخصية ليست على هذا القدر بعد، ولكنها بلا شك مرشحة للمضي على درب مثل هذا البروز، رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الذي ظل في السلطة منذ 8 سنوات. ومن المعروف أن أردوغان سياسي إسلامي معتدل ومدافع عن الديمقراطية العلمانية، حيث أصبح تدريجياً أكثر زعماء العالم تأثيراً.

وقلما تتم الإشادة بالسياسيين في غمار ساحة مقصورة على نجوم موسيقى الروك، كما أن الزعيم التركي ليس غريباً على الإطلاق على مثل هذا التصفيق الحارّ، حيث يقابل بالألوف من المؤيدين الذين يهتفون له في المطار حاملين ملصقات تشيد ببطلهم في مناسبات متعددة. فقد جاء أردوغان في المرتبة الأولى كأكثر زعيم إثارة للإعجاب في العالم لدى الكثير من العرب في استطلاع أجري في عام 2010، واعتبره الكثيرون أنه من النوع من البشر الذين يفضلون أن يكون زعيمهم.

فقد استطاع إلى حد كبير تحسين سمعة تركيا في العالم، و كبح جماح العسكريين الذين كانوا في وقت ما مسيطرين على المقاليد، واتبع سياسات اقتصادية ضاعفت نصيب الفرد من الدخل القومي التركي بمقدار ثلاثة أضعاف، و فتح الآفاق للمشروعات الجديدة، وحافظ في معظم الظروف على موقف موالٍ للغرب.

وقد حصل حزب العدالة والتنمية التركي الذي يتزعمه أردوغان على دعم من كل من الطبقتين الدينية و المحافظة، و ينظر إليه بنظرة ريبة من جانب المستبدين العلمانيين.

وبالنسبة للإسلاميين العرب ، فإن نجاح تركيا هو دليل على أنهم بإمكانهم تحديث بلدانهم دون أن يحيدوا عن الثوابت الدينية. رسالة أردوغان إلى جميع الدول العربية الإسلامية الشقيقة هو أن يكونوا مسلمين صالحين، ولكن عليهم أن يضمنوا أن دساتيرهم مماثلة للدستور تركيا العلمانية. "لا تخشوا العلمانية، لأنها لا تعني أنها عدو للدين". يرتدي أردوغان رداء رجل الأعمال، لكنه يصلي في المسجد.

خلال السنوات الثماني التي أمضاها أردوغان في السلطة، نما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي التركي بمقدار ثلاثة أضعاف تقريبا، حيث ارتفع من 3492 دولارا إلى 10,079 دولارا للفرد الواحد. و يعتبر التحسن الكبير في حياة الأتراك العاديين سبباً رئيسياً في فوز حزب العدالة و التنمية المحافظ اجتماعيا في الانتخابات العامة الثالثة في شهر يونيو الماضي، و بأغلبية ساحقة. ومن وجهة نظر المراقبين الغربيين، فإن صعود الاسلام السياسي يستحضر رؤى لدول متطرفة ورجعية في المنطقة.

و لكن تركيا أثبتت أن منتقديها على خطأ كونها لم تصبح دولة متطرفة أخرى. كذلك عمل أردوغان على الضغط بدرجة أشد من سابقيه العلمانيين من أجل المصادقة النهائية الغربية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل إن الفترة بين عامي 2002 إلى 2010، نما الناتج المحلي الإجمالي في تركيا بنسبة مركبة بلغت 4.8%، أي أكثر من روسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية. وفي عام 2010، نما الناتج المحلي الإجمالي في تركيا بنسبة 8.9% ، فيما نما الناتج الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي بنسبة 1.9%.

لقد أصحبت تركيا اليوم في المرتبة الـ 17 ضمن أكبر الاقتصادات في العالم، بعد اسبانيا وكندا. وبمرور الوقت، صار أردوغان أكثر طموحاً في الخارج، بدعم من الولايات المتحدة، حيث سعى إلى تحويل تركيا إلى وسيط في الخلافات الإقليمية الأخرى.