اختارت صحيفة تايم الأميركية المتظاهر شخصية عام 2011، وتقول في هذا الصدد إن القيادة عام 2011 جاءت من «المجتمع» قاعدة الهرم، وليس من رأسه، ففي كل مكان احتج الناس على فشل القيادات التقليدية وعجز المؤسسات، لكن السياسيين لا يمكنهم توقع ما سيلي الانتخابات المقبلة ويرفضون القيام بالخيارات الصعبة، وهذا يعد احد الأسباب في عدم اختيارها شخصية واحدة معينة هذا العام.

وقد بدأ الأمر في تونس حيث تمادت سلطة دكتاتورية مترفة قابضة على مقاليد الحكم في غيها، وشكل نوع مألوف من الاضطهاد الحكومي ضد مواطن عادي، هو محمد البوعزيزي، القشة التي قصمت ظهر البعير. تقول والدته منوبية البوعزيزي :أضرم النار بنفسه احتجاجا لكرامته.

وفي مصر، كان المحرض على الاحتجاج عملية التزوير غير المقبولة للانتخابات الوطنية عام 2010. وفي أميركا، أدت ثلاث أزمات مالية حادة متداخلة إلى حركة احتلوا وول ستريت، في كل مكان تصاعد الاشمئزاز والغضب من الحكومات وزبانيتها بشكل غير قابل للاستيعاب.

وهكذا سقطت أحجار الدومينو في عام 2011، كما جاءت في شهادات أناس ساهموا في إسقاطها. النار لم تقتل البوعزيزي على الفور ونقل إلى المستشفى. وانضم، بعد ظهر ذلك اليوم، بائعو خضار وغيرهم إلى احتجاج البوعزيزي خارج مبنى المحافظة. وقام أحد أقربائه بنشر فيديو عن الاحتجاج، فانتشر الخبر بفضل شبكة الجزيرة والإنترنت، مما اشعل احتجاجات في المدن والقرى الأخرى. بعد وفاة البوعزيزي في 4 يناير الماضي، اتسعت الاحتجاجات لتتحول إلى حشد جماهيري، وقتل العشرات من المحتجين على يد الشرطة على امتداد البلاد. وتقول بسمة البوعزيزي: وانا أشاهد التلفاز، قلت لنفسي لقد استيقظ الشعب التونسي.

 

تعميد بالنار

وتقول لينا بن مهني البالغة من العمر 28 عاما، وهي مدرسة اللغويات في جامعة تونس، والمدونة تحت اسم فتاة تونسية، إنها ذهبت إلى بلدة تبعد 25 ميلا عن سيدي بوزيد، لتصوير محتج شاب قتل بالنيران، وقامت بتحميل صورته على الإنترنت، وتضيف: في ذاك اليوم كنت على استعداد لكل شيء بما في ذلك الموت.

وبنهاية الأسبوع، عادت إلى تونس، لتحتج خارج مبنى الحكومة. كذلك فعل حلمي المناهي البالغ من العمر 23 عاما، وهو خباز عاطل عن العمل. امه سيدة المناهي تقول ان وفاة البوعزيزي نبهت حلمي لوضعه، حيث كان يقول: افهم السبب وراء قيام هذا الرجل الفقير بإضرام النار في جسمه. كان يريد أن يسترزق ليس إلا، وقصته تشبه قصتي وتشبه قصة صديقي. في 13 يناير ذهب حلمي إلى تظاهرة في تونس، فاخترقت قلبه رصاصة، يقال إنها اطلقت من قبل أحد رجال القناصة التابعين للشرطة.

وفي صباح النهار التالي، كان مجدي قلبوسي، وهو مطور برامج ومدون معاد للنظام له من العمر 29 عاما، يسجل الاحتجاجات بجهاز هاتفه، يقول: بدأت الناس بالهتاف: بن علي، إرحل. وقد قام بتحميل الفيديو الذي التقطه على موقع تويتر، فشاهده نصف مليون مشاهد في يوم واحد. وبعد ساعات، سافر بن علي إلى منفاه ، وبعد أربعة أسابيع فقط، انتصر المحتجون، وسقطت قطعة الدومينو التالية.

وهناك اجماع بين المصريين على أن تونس كانت شعلة ثورتهم. ويقول شادي الغزالي حرب البالغ من العمر 32 عاما، وهو جراح كان من بين زعماء ميدان التحرير: لم يكن ممكنا حدوث ما حصل من دون التونسيين، ودروس تونس لم تكن موحية فقط، وإنما عملية أيضا. ويقول وائل نوارة البالغ من العمر 50 عاما، وهو ناشط سياسي من المعارضة: كانت ثورة تونس مثل كتيب استخدام في كيفية إسقاط النظام سلميا. ويقول احمد ماهر، وهو مهندس مدني واحد الناشطين في مصر: في يناير ارسل لنا التونسيون كثيرا من المعلومات، مثل استخدام الخل والبصل قرب الوجه في مواجهة قنابل الغاز، وكيفية إيقاف دبابة، أرسلوا لنا هذه النصائح واستخدمناها.

 

رد فعل عنيف

خالد سعيد هو محمد البوعزيزي المصري، شاب من ابناء الطبقة الوسطى المصرية، عاطل عن العمل، يبلغ من العمر 28 عاما، اعتقلته الشرطة، وانهالت عليه بالضرب حتى الموت. فقام وائل غنيم، وهو مدير تنفيذي في غوغل يبلغ من العمر 29 عاما، بإنشاء صفحة على فيسبوك تدعى كلنا خالد سعيد لتخليده. فانتقلت مثل الفيروس، وفي يناير الماضي، عاد غنيم من دبي إلى مصر للمساعدة في التخطيط للاحتجاج يوم 25 يناير، يوم الغضب في ميدان التحرير.

ودعي ماهر وغيره من الناشطين للمشاركة. التقوا على الإنترنت ومن ثم وجها لوجه للعمل على التفاصيل. تقول ميرال برنجي، منتجة أخبار تلفزيونية ومدونة لها من العمر 28 سنة: اعتقدت أننا سنهرب اذا دعت الحاجة، ثم ركضنا إلى حيث كانت الحشود تتقدم نحو ميدان التحرير، وعرفت حينها أنها ستكون تظاهرة حاشدة.

ويقول صانع الأفلام محمد رمضان البالغ من العمر 29 عاما: من البداية اعتقدت أنها ستنجح، فأنا لم أر مثل هذه الاحتجاجات طوال حياتي، وتلك الفتيات! وبعضهن يرتدين الحجاب وبعضهن من دونه، مسيحيات ومسلمات. ولم توافق جماعة الإخوان المسلمين على الاحتجاج، لكن خالد طنطاوي البالغ من العمر 34 عاما من المتنفذين في حركة الإخوان ذهب بكل الأحوال. وقد فوجئ أيضا بهذه التعددية يقول: شاهدت هذا التنوع من الناس يحتجون وأدركت فعلا ان أمرا كهذا قد يحدث؟

وفي تلك الليلة حصلت المفاجأة بحسب محمد البلتاجي، القيادي في جماعة الإخوان، الذي ذهب إلى ميدان التحرير بشكل غير رسمي، يقول: كان هناك جيل يمكنه كسر حاجز الخوف. وفي منتصف الليل، عندما تمكن عنف الشرطة من تفريق الناس في الميدان لم يهرب المحتجون أو يعودوا إلى منازلهم، فادركت إنها ثورة.

ورد الفعل العنيف للنظام لم يفاجئ أحدا، وقد احتج 4.5 ملايين مصري خلال الأسابيع الثلاثة الأولى، أي ما يمثل 8% من السكان ما فوق 14 عاما.

 

موقعة الجمل

هشام قاسم وهو صحافي مستقل وناشر بارز له من العمر 52 عاما، اطلقت عليه قنبلة غاز في يناير 28 فقام برشق الشرطة بالحجارة، يقول: رأيت أشخاصا يسقطون بالرصاص قربي. وعندما عاد نهار موقعة الجمل يقول: كانت هناك حرب، وكدت أقتل.

وفي تلك الفترة، كان المجلس العسكري قد اعلن قائلا: تعي قواتكم المسلحة شرعية مطالبكم، ولن تلجأ إلى استخدام القوة. وانتهى حسني مبارك، وكانت لافتة في ميدان التحرير تحثه على الرحيل رافعة شعار أرجوك ارحل لأنني أريد أن استحم لكن استغرق الأمر 11 يوما إضافيا، مر خلالها الرئيس المصري السابق حسني مبارك بمرحلة من الإنكار والغضب والتفاوض وربما اليأس للوصول إلى مرحلة القبول. يقول عبده قاسم العاطل عن العمل والبالغ من العمر 25 عاما الذي لم يسبق له أن نشط سياسيا، وقد اتبع التعليمات على فيسبوك: من اليوم الذي غادر فيه مبارك كنت أبكي.

الملايين احتجوا والجيش وقف جانبا والدكتاتوريون غادروا، أحلام مستحيلة كانت منذ شهرين، أصبحت الآن حقيقة. والحلم الديمقراطي حقق دينامية مذهلة انتشرت إلى الدول العربية الأخرى.

وفي الربيع، وصلت إلى أوروبا فأميركا، يقول شاب اردني مقيم في مصر: انتشر الفيروس، وامتد الآن إلى حوالي 80 دولة.

 

يومان مهمان

وفي القاهرة، يقول احمد حرارة طبيب أسنان له من العمر 31 عاما كان قد فقد عينيه إثر اصابته بالرصاص المطاطي في ميدان التحرير في مناسبتين مختلفتين في يناير ونوفمبر الماضي، عندما عاد للمشاركة في الاحتجاجات المناهضة لحكم المجلس العسكري: هناك يومان مهمان، 28 يناير في مصر واليوم الذي احتل الأميركيون فيه وول ستريت لأنه هنا في مصر رفعنا شعار العدالة الاجتماعية، وأرى أن الأميركيين يحتاجون إليها وقد قاموا بالاحتجاج أيضا

والشباب الليبرالي العلماني بمعظمه الذي صنع الثورة في كل من تونس ومصر جرى قمعه، اذا لم يكن تهميشه من قبل منظمات سياسية أكثر تنظيما. وجميعهم يوافقون أن هذا جزئيا يعد خطأهم، ونتاجا لسذاجتهم حول حقائق السياسات الديمقراطية.

يقول محمد عادل الحتى: الشيء الوحيد الذي قام به مبارك كان توحيدنا. ويقول المدون محمود سالم البالغ من العمر 30 عاما والحائز على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ويعمل كمطور أعمال لدى وكلاء كوكا كولا: كانت يوتوبيا وسقطت مباشرة إلى الفوضى. ويقول غزالي حرب بعد أن خسر ترشحه لمقعد برلماني عن محافظة القاهرة: فشلنا، الشباب هو من صنع الثورة، ولقد سلمناها إلى كبار الساسة لأننا لم نكن نثق بأنفسنا.

 

الليبراليون والإسلاميون

في كل من مصر وتونس، فان المجالس النيابية المنتخبة حديثا سوف يهيمن عليها الإسلاميون المعتدلون، يقول الطنطاوي في جماعة الإخوان: الأمر لا يتعلق بوجود الليبراليين في مواجهة الإخوان المسلمين، ذلك أن الإسلاميين منقسمون على انفسهم. واستنادا إلى كلامه، فان الأحزاب الإسلامية في التيار العام في مصر وتونس تبدو ملتزمة بالوصول إلى إجماع وطني يشمل الليبراليين العلمانيين. ويقول عبد الحميد جلاسي عضو المكتب التنفيذي للحركة الإسلامية في تونس الذي قضى 17 عاما سجينا سياسيا : الديمقراطية ثقافة جديدة، وعلينا أن نعتاد عليها وعلى تلقي الرشق بالبيض.

أما الثوريون العلمانيون، فيبقون متفائلين. يقول شادي طه، وهو مهندس مدني درس في الولايات المتحدة ومسؤول في حزب مصري ليبرالي ترشح للبرلمان على قائمة مع جماعة الإخوان: في الثمانينات من القرن الماضي، قبل ان يدخلوا السياسة كانوا مجانين كالسلفيين الذين يكسبون الآن ربع مقاعد البرلمان. ويعتقد أن السياسة الديمقراطية يكتنفها تأثير يميل نحو الاعتدال.

حتى الأستاذة الجامعية في تونس داليندا لرغش وهي نسوية كان بإمكانها إيجاد بعض الأمل للخط العلماني، تقول: يريدون تغيير تونس بناء على رؤيتهم، لكن تونس سوف تغيرهم. والعلمانيون واثقون بأنه لا عودة إلى الطغيان. ويقول وائل نوارة: في النهاية سوف تسير الأمور على ما يرام، لان العلاقة بين الشعب والسلطة في مصر تغيرت للابد. لقد تعلموا أن بإمكانهم استبدال الحاكم. وهذه هي الثورة.

 

تدمير للذات

لكننا الآن في وضع تدمير ذاتي لا يفوز فيه أي من الطرفين. يقول جلاسي عن الثورة التونسية: لو قاد السياسيون الحركة لما نجحت، لكن الشباب غير المنتمين أمكنهم ان يشكلوا جاذبا للكل. لكن السياسة الحرة يمكن أيضا أن لا تكون نظيفة، في الوقت الذي لا يرغب الشباب وغيرهم من الليبراليين الانخراط في لعبة الديمقراطية القاسية.

في تونس تقول لينا بن مهني: لم ننه الثورة. وقد تكون الغلطة التي ارتكبناها هي ان معظمنا رفض فكرة الدخول في الحياة السياسية. لكن المحتجين يبدون على استعداد لينتفضوا في مصر وتونس إذا ما تمت المساومة على الديمقراطية والحرية، كذلك المحتجون الذين شعروا بقوتهم يمكنهم ان يجتاحوا أنظمة في أماكن أخرى في الشرق الأوسط.