بات من المألوف القول إن سنة 2011 ستدخل التاريخ على أنها سنة التغييرات الزلزالية في الشرق الأوسط، تماما كما كانت السنوات 1948 و1967 و1979، لكن أي نوع من التغيير ستتركه في أعقابها؟

بعد مرور سنة على أحداث الربيع العربي، ما زال من المبكر الحكم على ما إذا كانت أحداث 2011 سيكون لها ذاك التأثير الدائم فعلا، وأين سيكون مصب هذا التأثير، وكيف سيؤثر على قضايا ذات أهمية استراتيجية في المنطقة.

فقد أطاحت الانتفاضات بزعماء أربع دول عربية، هي تونس ومصر واليمن وليبيا، لكن في دولة واحدة فقط، وهي ليبيا يمكن القول بشكل حاسم إن النظام أطيح به أيضا، ففي تونس ومصر، بقيت المؤسسة الحيوية التي سهلت انتقال السلطة بشكل أساسي، أي الجيش، دون ان يمس بها، وفي اليمن، لم يغادر الزعيم المخلوع السلطة كلية. وجمهورية عربية أخرى وهي سوريا تعد على شفا اندلاع حرب أهلية، في حين أن دولاً أخرى، مثل السودان والجزائر والعراق ولبنان والسلطة الفلسطينية، بالكاد تأثرت بتسونامي الانتفاضات تلك. وفي أماكن أخرى، اتبعت الأنظمة استراتيجية إصلاحات لاستيعاب تحدي الانتفاضة تمكنت حتى الآن من تفادي اندلاع حالة من عدم الاستقرار، وتعدد التجارب ذات الطابع الوطني هو الدافع المهيمن وراء هذه الانتفاضات.

وعلى الرغم من كل هذا، فان أحداث السنة الماضية، بمعزل عن نهايتها، كان لها تأثير قوي، ليس فقط على تشكل الشرق الأوسط الجديد، وإنما أيضا على إسقاط فرضيات عديدة حول الشرق الأوسط، كان يعتقد بصحتها لفترة طويلة، ومنها خمس فرضيات وهي:

1 فكرة أن التنافس بين النخبة هو الذي يحدد صعود الأنظمة العربية وسقوطها، وليس تأثير الإرادة الشعبية. لأربعة عقود، منذ تظاهرات المصريين التي رفضت استقالة جمال عبد الناصر في أعقاب حرب 1967 الكارثية، إلى تظاهرات المصريين المطالبة باستقالة مبارك بعد ثلاثين سنة على السلام مع إسرائيل، كان الشارع العربي شبه غائب في تقييم السياسات في المنطقة، وأخيرا، أسقط ميدان التحرير هذه النظرية. وهذا لا يعني ان الجماهير سوف تحدد دوما مصير البلدان العربية، لكنها باتت لاعبا على المسرح العربي مجددا.

2 لا يصح القول بعد الآن ان الأنظمة الدكتاتورية بمقدورها استخدام السلطة المطلقة للدولة للحفاظ على سيطرتها، فقد ألقى عدد من الدول القاهرة على مدى جيلين، ظلالا سوداء على سياسة المنطقة، وخنقت أي بزوغ لمعارضة حقيقية تستحق هذا الاسم. ولقد ازدادت قوة وجبروت هذه الأنظمة كثيرا في العقود الأخيرة، عندما قرر قادتها استخدام كل أموالهم في تطوير أجهزة أمنية واستخبارية متعددة، وهم ينظرون إلى الانهيار المخيف لشاه ايران.

لكن الفساد المتعفن إلى جانب مشاعر الإحساس بالقوة التي لا تقهر أحدثا تآكلا داخل الأنظمة نفسها، ونتيجة لذلك، أجبر القائد السابق لسلاح الجو المصري، وبطل عبور قناة السويس ضد جبروت إسرائيل، على اطلاق راكبي جمال في محاولة أخيرة لإنقاذ حكمه. وهذا التداعي لم يكن الوضع القائم في كل مكان، طبعا، حسبما تظهر وحشية الملاحم الليبية، لكن النهاية السريعة للطغيان في تونس ومصر يؤكد حدود القدرة الكلية.

3- لم تعد قائمة الفكرة القائلة إن التهديد الرئيسي للمعتدلين والأنظمة الموالية للغرب في الشرق ينبع من بروز أطراف موالية لدول إقليمية، واحتل مكان هذه الفكرة الخوف الكامن من صعود مجموعة أنظمة من المغرب إلى الخليج بقيادة أو تأثير الإخوان المسلمين، وهي أنظمة تناصر أهدافا معادية للأميركيين وللغرب ولإسرائيل من دون اعتماد وسائل مغرقة في العنف.

والآن، فإن رؤساء وزارات ذات صلة بالإخوان يستعدون لاستلام مناصبهم من الرباط إلى غزة، ما عدا في الجزائر، وعلى الأرجح أن ينضم اليهم زملاء آخرون في دول أخرى قبل نهاية 2012.

وسيرى البعض في هذا ترياقا لرسالة القاعدة المغرقة في التدمير، وسيرحب بهذا كاتجاه اكثر تطورا وأصالة، لكن تفاؤلهم يبدو مضللا بلا شك.

4 لا يجوز الاعتقاد بعد الآن ان الدول النفطية تنقصها الطاقة والرؤية لأن تفعل شيئا مختلفا. وعلى نقيض ذلك، فان سنة " الانتفاضات العربية" شهدت نزعة شجاعة وحازمة من جانب الدول النفطية العربية للبقاء من خلال تطوير قوات خليجية. وهذا أدى إلى بروز نسخة خليجية لمبدأ مونرو.

5 لم يعد جائزا الاعتقاد ان الولايات المتحدة ستعطي دوما أولوية لبقاء "الشيطان الذي نعرفه" وتغليب بقائه على حالة الغموض وعدم الاستقرار الكامنة في هذا "الشيطان الذي نعرفه". ومن المؤكد أن المسؤولين في واشنطن يعتقدون أن توسط الجيش المصري لتسهيل انتقال السلطة في مرحلة ما بعد مبارك طريقة لحماية اسهم أميركا المتراجعة، وليست طريقة لرمي مصيرها مع الجماهير المنتفضة في الشارع.

وعلى العموم، فإن أميركا تبدأ عام 2012 تماما كما بدأ سكان الشرق الأوسط الأعوام 1949 و1968 و1980، واثقين فقط بأن الغموض هو المعيار الجديد وسيد الموقف.