أشعل بائع خضار تونسي فقير، هو محمد البوعزيزي، منذ سنة، لهب الغضب الشعبي الذي تصاعد ليتحول إلى الربيع العربي، عندما أضرم النار في جسمه، بعد مصادرة الشرطة التونسية عربة الخضار التي تشكل مصدر رزقه الوحيد له ولعائلته.

وفي غضون أيام، شاهد ملايين التونسيين صور الاحتجاجات على وفاته، على الإنترنت وعلى شاشات التلفزة عبر الأقمار الاصطناعية، فبدأت الدولة البوليسية التي حكمت بلادهم لمدة طويلة تتهاوى.

وبعد اثني عشر شهرا، لا تزال مسيرة حركة الربيع العربي عصية على التنبؤ بمنعطفاتها المقبلة. فقد سقطت ثلاثة أنظمة استبدادية في شمال أفريقيا إلى الآن، لكن الغموض لا يزال يحيط بما سيحل مكانها، كما ستبقى دول أخرى غير مستقرة في المنطقة لمدة طويلة، على الأرجح.

وفي هذا المحيط من الغموض بدأت بعض التوجهات تأخذ شكلا واضحا، ويعد العالم العربي بأجمعه، في هذه اللحظة، أضعف مما كان عليه منذ مدة طويلة.

لكن الأميركيين ليسوا في موقع لضمان وضع القوة المهيمنة في المنطقة، بسبب فشلهم العسكري في العراق وأفغانستان، وأزمتهم الاقتصادية ودعمهم لإسرائيل. وإسرائيل تنظر بقلق إلى التطورات في المنطقة. وما يبدو أسوأ، من وجهة نظرها، هو أن كلاً من تركيا ومصر الدولتين الأقوى في المنطقة، توقفتا خلال السنوات الثلاث الماضية عن ان تمثلا حليفين لها، بل أصبحتا أكثر عدائية.

ثم هل ستتمكن تركيا من ملء فراغ القوة هذا؟ خصوصا وأن هناك قوى أخرى غربية وشرق أوسطية متحمسة لقيام تركيا بدور قيادي في المنطقة.

وبإلقاء نظرة على السنوات الماضية، فإن سقوط عدد من تلك الدول البوليسية تحيط به حتمية بدت غير منطقية. فقد جاء كثيرون من قادة تلك الدول إلى السلطة في ستينات أو بداية سبعينات القرن الماضي في ظل انقلابات عسكرية بطروحات قومية.

وفي مصر طبعا، جاء التغيير قبل ذلك في عام 1952 ردا على السيطرة الإمبريالية البريطانية المتبقية والهزيمة على يد إسرائيل.

وغالبا ما يجري تناسي أن هذه الأنظمة كانت قادرة فيما مضى على تبرير حكمها، من خلال بناء آلة دولة قوية وتحقيق الوحدة الوطنية، أو كما هي الحال في ليبيا والعراق، من خلال تأميم صناعة النفط.

لكن بحلول 1975، تحولت تلك الأنظمة العسكرية إلى دول بوليسية، واحتكرت الأسر الحاكمة السلطة السياسية والاقتصادية. وبحلول التسعينات أصبحت عائلات الحكام مجرد أسر طفيلية، ومع تحول هذه الدول إلى اقتصادات السوق الحرة الليبرالية الجديدة، فتح الباب لرأسمالية المحسوبيات في استغلال الاحتكارات المحلية، من استيراد السيارات المترفة إلى السجائر.

وقد كتب كثير من الخزعبلات حول كيف أن عصر الإنترنت وفيسبوك جعل سقوط تلك الأنظمة مجرد مسألة وقت فحسب، وهناك نواة من الحقيقة في هذا الأمر، كما في معظم حالات إساءة الفهم الأكثر تأثيرا. فإيماءة البوعزيزي المتحدية والاحتجاج الذي أعقبها كان يمكن ألا يكونا معروفين في تونس منذ عشرين سنة، لان الحكومة كانت مسيطرة على الإعلام، أما الآن فإن احتكار الدولة للمعلومات لم يعد قائما.

والحكومات الاستبدادية في الشرق الأوسط استندت إلى الخوف للسيطرة على السلطة، لكنها ضبطت على حين غرة عندما أصبح الضرب والقتل الذي استخدمته لإثارة هذا الرعب يبث على الإنترنت ويوتيوب، وبدلا من أن يكبح المعارضة أشعلها.

ولم يكن التغيير الذي حدث في عام 2011 يتعلق بعدم الشعور بالخوف من الضرب والتعذيب والقتل، بل ان الحكومات بات بتعين عليها أن تدفع ثمنا سياسيا أكبر لاستخدام مثل هذه الوسائل.

وهنا تظهر أهمية الإنترنت، لكن ما حول أصول اللعبة فعلا كانت المحطات التلفزيونية العربية العاملة بالأقمار الاصطناعية، إن حوالي 7% فقط من الشعب الليبي لديه إمكانية للوصول إلى الإنترنت، لكن يعتبر التلفاز عبر الأقمار الصناعية منتشرا في البلاد. والانفكاك من قبضة الاحتكار الحكومي للمعلومات يعد الأمر الحيوي في إضعاف الطغيان في الشرق الأوسط، وهو يحول بشكل دائم ميزان القوى من قصور الحكام إلى الشعب في الشوارع.