قال أنتوني كوردسمان الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، في حوار أجرته معه إذاعة «صوت روسيا» الحكومية، أخيراً، إن الحرب في أفغانستان اتسعت لتأخذ بعداً إقليمياً، ولا توجد طريقة واضحة لإنهائها والوصول إلى نتائج مؤاتيه دائمة، كما أن الفوز التكتيكي الذي تم إحرازه لم يترجم استراتيجياً، مضيفاً أن أميركا تستطيع الفوز بمكاسب استراتيجية بالعمل على استقرار باكستان، كما شكك كوردسمان بإمكانية التوصل إلى حكومة وحدة في العراق، مشيراً إلى أنه كان أسهل للجميع إعلان النصر في العراق، بدلاً من التفكير في الاتجاه الذي تمضي فيه أميركا حيال مستقبل الشرق الأوسط والخليج.

 

وفي ما يلي نص الحوار:

ما المقارنات الأهم التي يمكن إجراؤها بين الانسحاب الأميركي من كل من أفغانستان وفيتنام؟

- اعتقد بأن المقارنات عملية صعبة حقاً، إذا تحدثنا عن القتال أو البلدان المعنية أو العدو، ذلك أن الأوضاع ليست نفسها في الحربين، لكن من المؤكد أنه توجد حرب طويلة للغاية في أفغانستان. وهي حرب هدفها الاستراتيجي لم يكن واضحاً، ولقد اتسعت لتأخذ طابعاً إقليمياً، ورافقها نقاش متكرر حول تأثير رحيل القوات الأميركية عن أفغانستان في كل من باكستان ووسط آسيا ومصالح أميركا الاستراتيجية الأوسع.

وتتسم هذه الحرب بعدم وجود سبيل واضح لدى أميركا لإنهائها والوصول إلى نتائج مواتية تدوم، حيث بإمكان أميركا أن تفاوض حول طريق الخروج، أو تعلن انتصارها ومن ثم تغادر، كما اقترح احد أعضاء مجلس الشيوخ فيما مضى حول فيتنام.

والمشكلة التي تواجهها أميركا أيضا تتعلق بالحديث عن عملية نقل المسؤولية العسكرية والأمنية في أفغانستان إلى قوات البلد المضيف، كما فعلت في السابق في فيتنام، لكن من غير الواضح ما إذا كانت أميركا على استعداد للإبقاء على الأموال والجهود التي يمكنها الحفاظ على تلك القوات، في ظل أجواء الموازنة والمناخ السياسي الحالي.

في التقرير الذي أصدرته أخيراً، تقول إنه، في مجالات حساسة، حيث من غير المرجح حالياً إحراز مستوى من النجاح الدائم، وتقصد بالمعنى الاستراتيجي، لم تظهر أميركا قدرة على حشد ما يكفي من العناصر المطلوبة لتأمين الأمن والاستقرار في أفغانستان، كيف يمكنها الآن أن تظهر شيئاً مختلفاً؟

بإمكان أميركا الحصول على مكاسب استراتيجية رئيسية بالعمل على استقرار باكستان في هذه اللحظة، لأنه ليست لها مصالح استراتيجية كبرى في وسط آسيا، وما يحصل هناك سيكون شأن دول تلك المنطقة، وشأن الصين وروسيا، وليس محوراً مركزياً للاقتصاد الأميركي، ولا يشكل مصلحة أمنية كبرى، بمعزل عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وليس واضحاً ما إذا كانت أميركا بإمكانها تحقيق شيء ما في باكستان ببقائها في أفغانستان، وبشكل مماثل، ليس واضحاً أنها تستطيع تفادي ظهور مواقع إرهاب جديدة، وبغض النظر عما سيحدث في أفغانستان وباكستان، أو في تنظيم القاعدة المركزي، فإنه ستكون هناك دوما منظمات متطرفة تحركها المقاربات الرجعية المحافظة على امتداد العالم. وهذا ليس شيئاً يمكن إخماده أو إنهاؤه، لا في أفغانستان ولا في باكستان. وتوجد مثل تلك التحديات ولا تزال قائمة في اليمن، كذلك هناك وجود نشط للقاعدة في العراق، إلى جانب وجود متزايد لها في المناطق شبه الصحراوية في إفريقيا وفي المغرب أيضاً.

ماذا عن المؤشرات التي تشير إلى حصول تقدم في أفغانستان؟

بعض هذه المقاييس صالحة، لقد أحرزت أميركا انتصارات تكتيكية مهمة ومكاسب ضد طالبان، هاجمت قواتها بنجاح معظم قيادات شبكات الجماعة، وتبقى هناك عناصر فعالة منهم في الشرطة، بما في ذلك عناصر من الشرطة المحلية الأفغانية، لكنها عناصر ليس إلا، ولا تصل إلى مستوى تشكيلها قوة.

وتستخدم أميركا المقاييس التي تصلها من «ناتو» «إيساف» أساساً، ومشكلتها أنها تركز على أعمال العنف الرئيسية، ما يطلق عليه «الأعمال الخطيرة»، أما تقارير الأمم المتحدة أو تلك الواردة من المنظمات غير الحكومية، فإنها تركز على نمط العنف الإجمالي في البلاد، وبالتالي، تشير إلى أنماط مختلفة كلياً، أنماط تزايد العنف والاغتيالات والخطف والتهديد.

 

لا شيء لدينا

ذكرت أنه لم يتضح ما إذا كانت أي من التيارات المسلحة الرئيسية تشعر بأنها تخسر أو بأنها لا تستطيع البقاء إلى بعد الانسحاب الأميركي وقوات التحالف من أفغانستان، وقلت إن المفاوضات الجارية يمكن أيضا أن تشعرها بأن وضع أميركا وقوات التحالف قد أصبح من الضعف، حيث بات بإمكانها استخدام الدبلوماسية أو أي شكل من أشكال الحرب أو أية وسيلة أخرى لتسريع انتصارها، عبر الخداع والحصول على التنازلات من أميركا والتحالف، هل هذا ما تراه يحدث الآن؟

كل ما لدينا الآن هو لا شيء. فلا وجود لمفاوضات ذات مغزى من أي نوع تجرى الآن بين طالبان والحكومة المركزية، والمحادثات التي جرت كانت على أدنى المستويات، ومعظم الذين قاموا بها لم يكونوا على صلة بكبار مسؤولي طالبان قط، واغتيال المفاوض الحكومي الأفغاني الرئيسي زاد الأمور سوءًا، والموقف الرسمي لطالبان يفيد أنه لا توجد مفاوضات، وما يتعلق بشبكة حقاني لا يشكل موقفاً رسمياً، فلا وجود لمفاوضات على الإطلاق.

وبالتالي، فإن الجهود التي يبذلها السفير غروسمان وغيره لإيجاد هيكلية التفاوض تلك تعد من الأمور التي لا بد أن تواصل أميركا السعي وراءها، لكن في هذه اللحظة من الزمن، ليس لدى أميركا أي نوع من التسوية المحتملة، ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً ليس لديها مفاوضات.

لكن هناك تقرير لرويترز يتحدث عن محادثات مصالحة مع طالبان، واستشهد بمسؤولين أميركيين قالوا إنها على مفترق طرق وأوحوا بإمكانية اتخاذ خطوات، بما في ذلك نقل بعض السجناء من غوانتنامو. وهذا الموضوع أثير أيضاً من قبل وزارة الخارجية الأميركية، وقالت الناطقة باسم الوزارة فيكتوريا نولاند إنها ستعلق على التفاصيل. وأيضاً، في مقابلة مع «نيوزويك»، قال نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إن جماعة طالبان في حد ذاتها ليست عدواً لأميركا.

مجدداً، يتعين على أميركا أن تقدم عرضاً، وهي تحاول جاهدة جلب طالبان إلى طاولة المفاوضات، لكن عندما يجري التحدث عن نقطة تحول أو مفترق طرق، فإن هذا لا يحدث. ويتعين على نائب الرئيس بايدن إعطاء تصريحاته معنى قيمياً على الفور، كما يتعين على الأميركيين أن يأخذوا حذرهم جيداً. فهناك كثير من الكلام وقليل من الحقائق.

ما نوع الردود التي وصلتك من الجيش والبيت الأبيض على التقرير الذي أصدرته تحت عنوان «الحرب الأفغانية- الباكستانية في نهاية 2011» والذي يقدم منظوراً واقعياً حول النجاحات؟

لا يتوقع المرء أي رد من البيت الأبيض، وأعتقد بأن أي تقرير من هذا النوع يمثل مجموعة من الآراء الشخصية، وهو تحليل شخصي في نهاية المطاف. وهناك أشخاص في الجيش وفي إطار البنية المدنية للحكومة يوافقون على ما ورد فيه، وهناك أشخاص لا يوافقون، وهناك أشخاص يوافقون على جزء منه، وهكذا دواليك.

أعتقد بصراحة أننا بدأنا نقاشاً حول الاتجاه الذي ستمضي به أميركا في أفغانستان، ذلك أن الفترة التي سبقت التصريح الأول للرئيس أوباما الذي أشار فيه إلى الانسحاب الفعلي من أفغانستان في نهاية 2014 وبدء نقل القوات الأميركية، لم تكن تشهد نقاشاً جدياً حول معنى الانتقال والانسحاب الأميركي إلا ما ندر. ولم نر تحول هذا الموضوع إلى نقاش ذي مغزى في السباق الرئاسي. وأفغانستان ليست الحرب المنسية في السياسة الأميركية أساساً، بل الحرب المتجاهلة، وقد كان أسهل للجميع إعلان النصر في العراق، بدلاً من التفكير أين الاتجاه الذي تمضي فيه أميركا في ما يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط والخليج.

وإلام ترجع ذلك؟

أعتقد بان الجواب الصحيح على هذا السؤال جلي، فلا أحد يريد خوض حملته الانتخابية اعتماداً على الأخبار السيئة. وثانياً، هناك تركيز طبيعي على القضايا المحلية في أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها أميركا منذ الكساد الكبير، لكن باقي العالم لا زال موجوداً على الخريطة.