حسم معظم الناس منذ وقت طويل رأيهم فيما يتعلق بالحملة الغربية في أفغانستان، فبعد مغامرة قاتلة في العراق، بدت الحملة الغربية في أفغانستان بمثابة إهدار للأرواح والأموال، ومحاولة لا طائل وراءها لفرض الحداثة على الحكام الفاسدين لبلد شديد الاستعصاء، غير أنه عندما اجتمعت الحكومات في بون أخيراً، بعد عقد من الزمان من الهجوم الأول على معسكرات التدريب الأفغانية التابعة للقاعدة، كانت بحاجة إلى النظر إلى ما يتجاوز هذا التقييم المعتم، فالتهديد الحقيقي لأفغانستان اليوم هو الاقتناع بأن العالم الخارجي لا قدرة له على أن يحدث فارقاً هناك.

 

لغز استمرار الدعم

وقد جاء اجتماع بون عقب أشهر قليلة من قيام القوة التي يقودها "ناتو" بتقليص قوامها. فالقوات الغربية التي يبلغ عددها 130 ألف جندي، من المقرر أن تنسحب من أفغانستان بحلول نهاية عام 2014، وتقضي الخطة بترك قوة صغيرة مؤلفة من 20 ألف جندي أميركي لمساعدة القوات الأمنية الأفغانية على مواجهة المسلحين، وعلى الرغم من أن اجتماع بون لم يكن اجتماعاً للدول المتبرعة بالأموال لأفغانستان، فإن العالم الخارجي يتعين عليه أن يظهر أنه حتى فيما جنوده ينسحبون عائدين إلى أوطانهم، فإن دعمه لأفغانستان سيبقى مستمراً، وهو الأمر الذي يعني إعطاء الأفغان المال، وفرصة للإدلاء بأصواتهم في انتخابات حرة ونزيهة.

لم يكن بمقدور أحد الادعاء بأن أفغانستان هي اليوتوبيا التي وعد بها القادة الغربيون الشعب الأفغاني في عام 2001، ولكنها تظل مكاناً أفضل، سواء مما كانت عليه في ظل حكم طالبان الذي عاد بها إلى القرون الوسطى، أو الدولة الفاشلة التي تنهال عليها هجمات المسلحين في أضعف نقاط الحملة الغربية عام 2009، فاليوم لم يعد للقاعدة وجود يذكر في أفغانستان، وتحسنت فرص حصول الأفغان على التعليم والرعاية الصحية، كما تحسنت أوضاع النساء والفتيات.

وأدت زيادة أعداد القوات الأميركية على مدار السنوات القليلة الماضية إلى استئصال شأفة العنف في قندهار وهلمند، على الرغم من أن الوضع الأمني في الشرق قد تفاقم، وتوضح استطلاعات الرأي في أفغانستان، على الرغم مما يكتنفها من أخطاء وعيوب، وجود نمط واضح، حيث يقول ثلثا الأفغان اليوم: إنهم لا يتعاطفون مع طالبان، مقارنة بنسبة الثلث في 2009، وقول أغلبية واضحة من الأفغان: إنهم راضون عن حكوماتهم القومية والمحلية. وفي غضون ذلك فإن المجلس الشامل الأخير لزعماء القبائل المعروف بـ«جيرغا» قد دعم فكرة وجود قوة أميركية صغيرة في أفغانستان بعد عام 2014.

كل هذا يحمل في طياته وعداً لا موضع للشك فيه باستقرار نسبي يمكن أن يسود أفغانستان، حقاً إن الحركة المسلحة لطالبان في الجنوب الأفغاني لن تزول بين عشية وضحاها، ولكن ربما كان بمقدور الجيش الأفغاني أن يتصدى لها، وهذا بدوره يتعين أن يمكن الحكومة في كابول من أن تبقي مختلف أرجاء أفغانستان معاً في إطار وحدة واحدة لا موضع للتشكيك فيها، وفي غضون السنوات المقبلة فإن المسلحين ربما يقتنعون تدريجياً بأنهم سيكسبون أكثر إذا ألقوا السلاح وانخرطوا في العمل السياسي على الصعيد القومي.

وللعالم الخارجي دور جوهري في التوصل إلى هذه النتيجة التي يمكن وصفها بأنها ليست سيئة على الإطلاق، ولأن أفغانستان لا يمكنها أن تتحمل وحدها عبء تكاليف توفير أمنها وضمانه، فإن الأجانب لا بد لهم من تقديم 5 مليارات دولار سنوياً لتحقيق هذا الغرض. حيث يشكل الكتلة الأساسية في المساعدة التي ستحتاجها أفغانستان.

 

واجب حتمي

بعد أن قام الغرب بغزو أفغانستان، فإنه يقع على كاهله الآن واجب لا مناص من الاضطلاع به حيال الشعب الأفغاني، فخدمة الذات تملي أيضاً أن الظروف التي ازدهرت فيها القاعدة في التسعينات من القرن الماضي، لا ينبغي أن تعود مجدداً. يحتج آخرون بأن انغماس الغرب يسمم العلاقات مع باكستان المسلحة بالقنابل النووية، وهو الأمر الذي يهم الغرب على نحو يفوق أفغانستان.

وقد برزت المخاوف في هذا الشأن أخيراً عندما قتل 24 من حرس الحدود الباكستانيين بطريق الخطأ في هجومين شنته القوات الأميركية والأفغانية، غير أن حرباً أهلية أفغانستانية تستدرج دولاً مجاورة ومن بينها الهند وباكستان، يمكن أن تكون مدعاة لاختلال الاستقرار بشكل كبير، وباكستان معنية بأفغانستان مستقرة. لقد ارتكب الغرب أخطاء عديدة في أفغانستان، وإلقاء كل شيء بعيداً من أجل التزام واحد أخير يمكن أن يتوج هذه الأخطاء جميعها.