في مثل هذه الأيام قبل عشرين عاماً، استيقظ الروس ليس على فجر يوم جديد فحسب، ولكن على عالم جديد، و هو ما شهده الجميع أيضاً. وكانت قد انقضت سويعات على إعلان الرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف في رسالة مدوية جرى بثها بأنه سوف يستقيل كرئيس لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، بعد أن فشل في كسب التأييد لمعاهدة اتحادية جديدة. ونتيجة لذلك، على حد قوله، فلن يعود هناك وجود للاتحاد السوفيتي. و تم إنزال العلم الأحمر الذي كان يرفرف فوق الكرملين في تلك الليلة، حيث لم يرفع بعد ذلك مجدداً قط.
وعلى الرغم من أن النهاية بدت حتمية خلال خريف حزين ومتوتر، فإن إعلان غورباتشوف الذي لا يزال يتردد صداه في جميع أنحاء العالم، فجّر مشاعر الفرح و الحذر. كان هذا النصر هو الذي طالما حلُم به المبعدون من الدولة الشيوعية، القدامى و الجدد، لكنهم لم يتوقعوا أن يروا حلمهم يتحقق. وكان هذا الهدف الذي سعى الغرب من أجل تحقيقه خلال الحرب الباردة، سواء بشكل معلن أم لا، والمتمثل في ردّ الثورة البلشفية على أعقابها، و استكمال العملية التي كانت قد بدأت قبل عامين، مع اندلاع موجة من الثورات الأوروبية وسقوط سور برلين.
توتر
لكن هذه العملية جلبت أيضا احتمال حدوث حالة من التوتر المرعب. ففي المدى القصير للغاية، سادت مخاوف من حدوث مجاعة وأزمة لاجئين و حرب أهلية، والتي كان قد تم تجنبها في معظم أجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق دون عناء. وفي المدى الطويل، تحول نضال جميع من درسوا في المدرسة السوفيتية القديمة للتأقلم مع الوضع الجديد. وعلى المدى الأبعد من ذلك بكثير، ظهرت إشكالية كيف يتنسى للدول الـ 15 الجديدة، أو التي بعثت، أن تجد لها مكاناً في هذا العالم المتحول.
بالنسبة لروسيا، تمت تلك العملية بشكل أبطأ وأكثر إحباطا مما كان يأمله الكثيرون. فعندما تم إنزال العلم الأحمر، انتقلت السلطة إلى الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسن، وهكذا بدأ عقد من الارتباك، تزاحمت خلاله مظاهر الحرية والجريمة و الثروة المتزايدة والفقر المدقع جنبا إلى جنب. كان عقداً من الزمان شعر معظم الروس خلاله بالسعادة لأنهم تخلصوا منه، عنما تمّ تسليم الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين مقاليد السلطة.
استعاد بوتين الاستقرار، وأظهر نفسه على أنه حارس أمين على موارد الطاقة في البلاد، و منح معظم الشعب الروسي أعلى مستويات المعيشة التي عرفوها في تاريخهم. و لكن مع اقتراب الذكرى السنوية للعام الذي تولى فيه بوتين السلطة، فإن الفوائد الاقتصادية تتراجع و يسود شعور تغلب عليه خيبة الأمل، لا سيما مع بطء وتيرة التغيير و انتشار الفساد والفشل في تطوير مؤسسات ديمقراطية على نحو حقيقي، في ظل التناقض بين بسط نفوذ الاتحاد السوفيتي على الساحة العالمية و بين عزلة روسيا المسلحة نوويا. و فكرة أن روسيا سرعان ما ستصبح دولة على غرار الدول الاسكندنافية بعد 70 عاماً من الشيوعية، كانت دائماً فكرة غير واقعية إلى حد كبير. ولكن وفقاً لمعايير تتماشى مع طموحاتها الأكثر تواضعاً، فإن روسيا فشلت غالباً في تكون على مستوى التوقعات.
تخفيض المعنويات
و ما كان يمكن أن يكون ذكرى تخفض المعنويات، سواء بالنسبة للكثير من الروس الذين أحبطت آمالهم على مر السنين أو بالنسبة للعالم الخارجي الذي فقد الثقة في قدرة روسيا على التغيير، تعين فجأة النظر إليه من زاوية مختلفة. ومن خلال اتساق مقبول، فإن هذه الذكرى شهدت أكبر مظاهرات حاشدة في موسكو والمدن الروسية الأخرى منذ بداية الحركة الديمقراطية، التي حفزتها إصلاحات غورباتشوف، وبدأت في إحداث صدع في الكتلة السوفيتية قبل 25 عاماً.
وليس هذا فحسب، بل إن آخر زعيم سوفيتي خرج على موجات الأثير ليدعو بوتين إلى التخلي عن خططه الرامية للعودة إلى الرئاسة. لقد كانت المفارقة بارزة، من حيث أن الرجل الذي كان يوماً ما زعيماً شيوعياً يتحدث بلغة الديمقراطية إلى خلفه الذي يفصله عنه رئيس واحد، ومع ذلك فقد كان ذلك مقياساً أيضا لمقدار التغير الذي مرت به روسيا، ليس فقط خلال 20 عاماً، ولكن خلال العدد نفسه تقريباً من الأيام.
