خرجت، أخيرا، آخر قافلة للقوات العسكرية الأميركية من العراق، قوامها 500 جندي في 110 شاحنات، منطلقة من قاعدة الإمام علي الجوية على بعد 10 أميال جنوب غربي مدينة الناصرية العراقية في الجنوب.

وتقع في القاعدة الجوية التي يبلغ محيطها 13.6 ميلا، أطلال مدينة بابل في أور، التي تقول الكتب المقدسة إن النبي إبراهيم، أب الأديان السماوية الثلاثة، تركها متوجها إلى بلاد كنعان. ومن التواضع أن يدرك الأميركيون، أنه في التاريخ الطويل لبلاد ما بين الرافدين، من السومرية إلى البابلية والأشورية والآن العراق، ستبقى رحلة الولايات المتحدة في تلك البلاد مجرد حاشية في نص تاريخي، على الرغم من أنها تبدو وقتا طويلا بالنسبة للأميركيين.

وبناء على استطلاعات الرأي، فان معظم الأميركيين الذين لم يقاتلوا في العراق يمارسون حياتهم الطبيعية غير مبالين بما يجري، وكثير منهم لم يعر العراق اهتماماً حتى عندما كان القتال على أشده.

إن فترة الاهتمام الأميركي بالأوضاع خارج أميركا لا تدوم إلا لفترة قصيرة، وهذا يعد احد الأسباب وراء تكرارها الأخطاء نفسها.

دامت الحرب العراقية ثماني سنوات وثمانية شهور، ومع احتساب مسيرة إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الطويلة للإعداد للحرب، يكون قد مضى على احتلال هذه الدولة اكثر من تسع سنوات، من بداية التخويف من "الكعكة الصفراء" إلى لحظة الانطلاق بسرعة الريح خارج أور في منتصف الليل من دون الإعلان عن الانسحاب، لأن الجنود الأميركيين لا يثقون بأن العراقيين لن ينصبوا فخا لهم.

 

حصاد وحشي

ولقد حصدت الحرب حياة 4484 جندي أميركي بالإضافة إلى 293 قتيل من دول أخرى، كان يطلق عليها بوش مسرورا "تحالف الراغبين".

كذلك، أودت الحرب بحياة حوالي 100 الف عراقي، وتركت 32200 أميركي جريح ومئات الألوف ممن يعانون درجات متفاوتة من الضغوط نتيجة للمعارك. وكلفت الحرب دافعي الضرائب الأميركيين رسميا ما لا يقل عن 823 مليار دولار، وهو رقم يقول بعض الاقتصاديين إنه سيتضاعف أو يزيد ثلاثة أضعاف مع مرور السنين وزيادة كلفة الاهتمام بالجرحى.

فهل كان الأمر يستحق كل هذه التكاليف؟

منذ بدء الحرب تقريباً، أصدرت مؤسسة "بروكينغز" ما يسمى "مؤشر العراق" وقامت باحتساب الكلفة المالية والبشرية للحرب، وقياس التقدم السياسي والاقتصادي من جرائها. ولقد تحسنت معظم المقاييس الاقتصادية بشكل دراماتيكي بالمقارنة مع عام 2002، السنة الأخيرة من حكم صدام حسين.

فإنتاج النفط وتصديره وصل إلى مستويات ما قبل الحرب تقريبا، والناتج المحلي الإجمالي تضاعف ست مرات، أما الكهرباء فارتفع توليدها بنسبة 50% بالمقارنة مع 2002، وازداد استخدام الهواتف 25 مرة، كذلك ازداد عدد الأطفال المسجلين في المدارس.

وفاق الاستثمار الأجنبي 100 مليون دولار في الشهر، وقد أصدرت "فايننشال تايمز" تقريراً يفيد أن غنائم الحرب في معظم قطاعات الأعمال، ذهبت إلى شركات في دول لم تشارك في الحرب، بما في ذلك تركيا والصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا. لكن الشركات الأميركية والبريطانية تستثمر بقوة في قطاع النفط العراقي، وهذا يفترض ألا يثير الدهشة كثيراً.

وعلى الصعيد المالي، فإن الشعب العراقي إجمالا في وضع افضل مما كان عليه في ظل حكم صدام حسين، لكن هل هم في وضع أفضل على الصعيد السياسي؟

هذا يعتمد في جزء كبير منه على الخلافات الطائفية بين السياسيين وامتداداتها التاريخية، والمترافقة في العراق مع الفساد المألوف الذي يتصف به السياسيون. ولم يكد ينجلي الغبار المتناثر من القافلة التي تركت أور، حتى قامت حكومة نوري المالكي بالأمر باعتقال نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي متهمة إياه برعاية فرق الموت، فطلب اللجوء إلى شمال العراق حيث يسيطر الأكراد الذين تبدو ميولهم قبلية اكثر منها طائفية. وبعد أيام من أمر الاعتقال، هدد المالكي بحل الحكومة الاتحادية، فدوت سلسلة من الانفجارات هزت بغداد، أودت بحياة 63 قتيلا 185 جريحا على الأقل. وبدا أن الانفجارات كانت من صنع أناس يطلقون على انفسهم القاعدة في العراق.

 

الاحتمال الشائك

وكان احتمال تفكك العراق بعد خروج القوات الأميركية مطروحا دوما، لكن قلة من الناس ظنوا أن الأمر سيحصل بهذه السرعة. والأعداد تميل إلى تحالف المالكي، لكن هناك خلافات داخلية، وبعضهم لديه ذكريات قديمة، ومن دون وجود "عامل الاستقرار" الذي تمثله القوات الأميركية، فإن وقت الانتقام قد يكون قد حان. وقد حث بعض القادة العسكريين الأميركيين والخبراء العراقيين على بقاء لواء أو لواءين قتاليين أميركيين لبضع سنوات.

 لكن الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعد ان شعر بوجود دعم شعبي وسياسي محدود للفكرة، اعترض على الأمر، خصوصا بعد إصرار حكومة المالكي على خضوع كل الجنود الأميركيين للقانون العراقي. وكانت "خطة زيادة عدد القوات" الأميركية التي ساهمت في تهدئة العراق بعد 2006، قد صممها الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس لإعطاء السياسيين العراقيين "متنفسا" كانوا يحتاجون إليه للم شملهم. فهل سنتان أو ما يزيد كافيتان لإيجاد هذا المتنفس؟ أو حتى 20 سنة أخرى؟ ربما لا تكفي هذه الفترة بعد سنوات من الصراع الطائفي، وتغير المناخ السياسي في أميركا منذ عام 2003، حيث هناك شهية محدودة وأموال اقل لمغامرات دولية.