شنت أميركا في مارس 2003 عدوانا عسكريا، من دون أي مبرر على الإطلاق، ضد دولة لم تهاجمها، ولا تشكل تهديدا لها. وهذا هو حقيقة ما حصل في العراق، ولا توجد حقيقة أخرى: عدوان، مذابح، فظائع وخراب، ارتكبت عن عمد وعن سابق معرفة وتصميم، وأنفق عليها اكثر من تريليون دولار، وهو رقم قياسي في الوحشية.
ولا يمكن إرجاع الساعة إلى الوراء، لكن يمكن تجاهل ما حصل، وهذا هو الدرب الذي اختارته الغالبية الساحقة من الأميركيين، ومجمل النخب من الحزبين، وهذا يتضمن درجة من التفكك المرضي عن الواقع، وما هو موجود هو الشر والحرمان والذنب، لكن هذا لا يمكن قبوله، وبالتالي يجري تحويله إلى نقيضه، أي الطيبة والنصر والاستقامة. وتمحى البنية الأخلاقية بهذه الدينامية الخبيثة، ويصبح العيب والشر أمرا عاديا، ويصعب الإدراك والحكم والاهتمام بالتبعات الفعلية لما تم اقترافه أو يقترف باسم الأميركيين.
وبالتالي فان الرئيس الأميركي باراك أوباما، الحائز على جائزة نوبل للسلام، ووريث عباءة مارتن لوثر كينغ ومهاتما غاندي، ذهب إلى كارولينا الشمالية أخيرا ليصرح إن العمل العدواني في العراق يعد "إنجازا رائعا". ولقد اغدق المديح على الجنود المجتمعين أمامه " لالتزامهم بتأدية مهمتهم".
تحدث عن المعاناة والتضحية والخسارة والألم ، لكن فقط للأميركيين المتورطين في هذه الحرب العدوانية، وعائلاتهم. ولم ينبس بكلمة ولو واحدة عن الألوف من العراقيين الذين قتلوا بسبب هذا "الإنجاز الرائع"، فهؤلاء لا يمكن الإقرار بوجودهم ويتعين التعامل معهم كما لو انهم ليسوا موجودين كأنهم لم يموتوا، إن هذا يشير إلى شيوع الانفكاك عن الواقع الذي يخفي الجنون الواضح. لم تنته الحرب العراقية، ليس بالنسبة للموتى أو الأحياء، وليس بالنسبة للأجيال المستقبلية التي ستعيش هذا الشر.
