انتهت الحرب الثانية الأطول في تاريخ أميركا، وكان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قد أعلن ذلك، قبل ثماني سنوات، من على متن حاملة الطائرات "إبراهام لينكولن" في 1 مايو 2003، واللافتة المعلقة وراءه تشير إلى أن "المهمة انتهت"، فهل انتهت حقاً؟

تصعب الإجابة بنعم عن هذا السؤال بعد قراءة وصف افتتاحية صفحة "واشنطن بوست"، للوضع في العراق، وهي المؤيدة للحرب.

تقول الصحيفة: "تستمر القاعدة في شن الهجمات الإرهابية، وتنشط الميليشيات في البلاد، والصراع على السلطة بين شمال العراق المحكوم من قبل الأكراد وحكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، لا يزال جاريا، وعراقيون كثر يشعرون بالقلق من عودة حمام الدم الذي نهش البلاد بين الفترة 2002 و2007 في أعقاب خروج القوات الأميركية".

وليس كل الأميركيين في العراق عائدين إلى منازلهم، حيث سيبقى ما مجموعه 16 الف جندي في القلعة الضخمة التي تحوي السفارة الأميركية وفي القنصليات المحصنة في البصرة وأربيل وكركوك. وهذه المواقع الأربعة ستكون مكتفية ذاتيا، لكي تتمكن الطواقم الأميركية من البقاء بعيدا عما تطلق عليه صحيفة "وول ستريت جورنال" وصف "الوضع الأمني المحفوف بالخطر في شوارع مدن العراق".

 

تحذير لافت

وفي كل موقع دبلوماسي، سيتجاوز عدد المتعهدين الأمنيين الخاصين أعداد موظفي وزارة الخارجية، حيث سيقوم حوالي 5 آلاف من هؤلاء بتأمين الحماية للموظفين أثناء تجوالهم. ويحذر السفير الأميركي جيمس جفري من المخاطر التي تنتظر الدبلوماسيين الأميركيين الذي يخاطرون بالخروج من المجمع، ويقول: "إذا خرجنا للدخول إلى الاقتصاد العراقي، أو خرجنا إلى المجتمع العراقي بأي طريقة تبدو مهمة، فإن الحماية لأفرادنا تصبح أكثر صعوبة". ولقد أوردت شبكة "إن بي سي"، أخيرا، أنه كان لزاما على قافلتين كل منهما تحوي خمس مركبات محملة برجال أمن من نوع بلاكووتر، مرافقة أستاذين أميركيين إلى اجتماع في فندق بغداد.

فما نوع النصر الذي أحرزته أميركا إذا كان الأميركيون في العراق، بعد ثماني سنوات من خلع أميركا صدام حسين ومساعدتها في تشكيل حكومة ديمقراطية، يخافون على حياتهم؟ هل كسبت أميركا "قلوب وعقول" الشعب العراقي في الوقت الذي كانوا يحرقون الأعلام الأميركية في الفلوجة للاحتفال برحيلها؟ لماذا لم يجر تنظيم مواكب، ليتمكن العراقيون من الابتهاج بالأميركيين الراحلين بعد تحريرهم من طغمة صدام حسين؟

ماذا أنجزنا إذا كان الكره لأميركا منتشراً إلى هذا الحد، حيث يعيش الدبلوماسيون الأميركيون معه في حالة من الخطر المستمر؟

يقول أحد المحافظين الجدد، وهو فريد كاغان، إن الناس الذين يعتقدون أن كل شيء سيسير بشكل جيد في العراق بعد خروج أميركا يعيشون في سراب. ويكتب تفتقر إدارة أوباما إلى الرؤية والاستراتيجية، ويفتقر النظام في بغداد إلى القدرة على صون "المصالح الحيوية" الأميركية في العراق، ومن بينها ضمان عدم انهيار الدولة، واندلاع الحرب الأهلية، وازدياد النفوذ الإقليمي، وإنشاء كل من القاعدة والميليشيات ملاذًا لها في البلاد. وبالنسبة لكاغان، وهو متحمس للحرب، فإن كل شيء حيوي كسبته أميركا بعد تسع سنوات من القتال يعد الآن في خطر.

لكن إذا لم تكن هناك ضمانة لعدم حدوث الكوارث التي يشير إليها كاغان آنفا، اقله لبضعة اشهر بعد رحيل القوات الأميركية، فما نوع النصر هذا؟

 

حقيقة ثابتة

لقد أصبحت حقيقية ثابتة، أن الشعب الأميركي قد خدع في التصديق أن صدام حسين لديه أسلحة الدمار الشامل وأنه يستعد لاستخدامها، وأنه الرجل الذي كان وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وانه قد كذب على هذا الشعب للدخول في الحرب.

لكن ما يثير الدهشة أيضا هو أنه لا أحد فكر جيدا بهذه الحرب قبل شنها، على الرغم من أن بوش وشركاه خططوا لها بدءا من 11 سبتمبر 2001، إن لم يكن قبل هذا التاريخ. وكما قال النائب الجمهوري جون ماكين انه بدءا من 2007 "كانت أميركا قد خسرت تقريبا".

لكن الكارثة التي يمكن أن تقع على رؤوسنا في العراق لم تكبح بعد صقور الحرب قيد أنملة، وهم يمضون في تقديم حجج مماثلة لحرب جديدة في المنطقة.