تمضي عملية انسحاب القوات الأميركية وقوات حلف "ناتو" من أفغانستان قدماً إلى عام 2014، ومع انسحاب هذه القوات، فإن المهمة الملقاة على عاتقها ستشهد تغييراً أسرع مما يتوقعه كثير من الناس، وهذا سيدفع بالجيش الوطني الأفغاني الوليد إلى تولي مسؤولية القتال من الآن.
والواضح أن الدور الأميركي في البلاد يسير في منحنى تراجعي في كابول والقيادة الإقليمية الشرقية. ويشكل قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما، بسحبه القوات الإضافية التي تم إرسالها إلى أفغانستان في نهاية الصيف المقبل، وبتخفيضه المزيد من عديد القوات بعد ذلك التاريخ، بلا شك يعتبر دافعاً للتأمل جدياً بالوضع في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي.
وبمعزل عن توقيت الانسحاب، فإن أميركا يمكنها القيام بالمزيد لإعداد الأفغانيين لهذا التحدي الهائل الذي ينتظرهم، وبدلاً من قيام القوات الأميركية وقوات "ناتو" بتطهير المناطق من المتمردين ومن ثم تسليمها إلى القوات الحكومية، فقد آن الأوان للقوات الأفغانية أن تستلم زمام القيادة بمساعدة مستشارين أميركيين لتطهير الأراضي الأفغانية تلك والسيطرة عليها. وأميركا لن تغادر أفغانستان رسمياً إلا في 2014، لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار معدل انسحاب القوات التي وضع عناوينه أوباما، فإنه يتعين على القادة الأميركيين في أفغانستان البدء بإعادة تقييم استراتيجيتهم الآن.
ويمكن لأوباما إعلان هذا التحول في قمة "ناتو" المنعقدة في شيكاغو مايو المقبل، حيث من المتوقع أن يعلن فيها أيضاً استمراره في الانسحاب من أفغانستان، ومن المتوقع ان تنخفض أعداد القوات الأميركية إلى 90 ألف جندي بنهاية هذا العام، و68 ألف جندي في الخريف المقبل، وربما إلى 45 ألف جندي بنهاية عام 2013. وعلى الرغم من أن آمري القيادة الأميركيين طرحوا أكثر من سبب موجب لإبقاء 68 ألف جندي في أفغانستان حتى نهاية 2013، إلا أن الوقائع السياسية والمالية في واشنطن تشير إلى عدم ترجيح هذا التوجه. ويتوقع المسؤولون العسكريون بقاء حوالي 20 ألف جندي في البلاد لعدة سنوات بعد تولي الأفغان مسؤولية أمنهم في عام 2014.
وعلى الرغم من أن القوات الأفغانية أحرزت تقدماً كبيراً خلال السنتين الماضيتين، إلا أنها لم تصل بقدراتها إلى مستوى تولي مهمة حماية أفغانستان بأكملها. فالجيش الوطني الأفغاني والشرطة الأفغانية يفتقران إلى العديد من المهارات المطلوبة لإحراز نجاح في فنون الحرب الحديثة، وبشكل أساسي، تخطيط وتنفيذ عمليات الدعم واللوجستيات للحرب الجوية والمدفعية، وتعيق تقدمهما معدلات الأمية المرتفعة وسنوات طويلة من الإهمال من قبل القوات الأميركية، التي بدأت منذ سنتين فقط بتكريس نفسها لزيادة حجم القوات الأفغانية وتحسين قدراتها.
ومن المؤكد أن القوات الأفغانية في مخيم كلارك في إقليم خوست تبدو على مستوى من التأهيل والتفكير الاستراتيجي، وقادرة على فهم العدو الذي تواجهه والتخطيط لعمليات فعالة على الأرض، لكنها، في المقابل، تحتاج بالتأكيد إلى سنوات من المساعدة الدولية في سبيل ضمان إمكانية إجراء عملية إخلاء طبي أو دعم جوي أو إطلاق مدفعي، عند تعرضها لهجمات.
ولمساعدة القوات الأفغانية إلى ما بعد عام 2014، تحتاج الولايات المتحدة إلى ان تترك وراءها قوة عسكرية من جنود العمليات الخاصة قوامها 10 آلاف جندي، إلى جانب معدات تمكين، مثل طائرات الهليكوبتر ووحدات الدعم الجوي عن كثب. واستناداً إلى مسؤولين في المنطقة، فإن الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، على الأرجح، سيطالب بعدد مماثل من المستشارين الأميركيين لمساعدة الجيش الأفغاني والشرطة الأفغانية الوليدتين، ومن دون هذه القوة المتبقية، فإن أميركا ستواجه متاعب في مواجهة التهديدات المستمرة للقاعدة وشبكة حقاني وطالبان، الأمر الذي سيعرض للخطر جدياً سلطة الحكومة المنتخبة في كابول.
لكن لوضع أفغانستان على المسار الصحيح، يجب على القادة الأميركيين تبني هذه الاستراتيجية، قبل ان تصبح القوات الأميركية غير قادرة على القيام بعمليات مكافحة التمرد من تلقاء نفسها. ويتعين عليهم البدء بتضمين فرق استشارية أميركية ودولية في كل وحدة تابعة للجيش الأفغاني والشرطة الأفغانية، قبل ان تصبح القوات الأميركية على قدر كبير من الضعف على الأرض، بحيث تفقد القدرة على دعم الوحدات الأفغانية عند تعرضها لإطلاق النيران. وهؤلاء المستشارون الحربيون سيعملون على تدريب القوات الأفغانية، والسماح لها بتولي قيادة القتال ضد طالبان وشبكة حقاني. فالأفغان يعرفون عدوهم، وبمساعدة أميركا، ستزداد قدرتهم على تولي قيادة المعارك ضده.
