يبدو نظام التوريث الخاص بالسلالة الحاكمة في كوريا الشمالية بائدا عفا عليه الزمن، مع وفاة الزعيم الكوري كيم يونغ إيل. لكن هناك سببا إضافيا للقلق من عملية انتقال السلطة حاليا، ذلك أنه عندما تسلم كيم يونغ إيل السلطة منذ اكثر من 13 عاما، كان قد أمضى أكثر من عقد من الزمن وهو يستعد لهذا المنصب، أما اليوم فإن ابنه كيم يونغ أون يتولى مقاليد الحكم من دون أية خبرة سابقة على الإطلاق.

وتتألف كوريا الشمالية اليوم من بناء سياسي فريد، دولة ماركسية لينينية تتمسك بالتوريث. منذ أكثر من ستة عقود، حددت سياسات السلالة الحاكمة تصرفات بيونغ يانغ والمتوقع منها، والآن مع وفاة «القائد المحبوب» كيم يونغ إيل، فإن فهم مسار الخلافة في البلاد هو أمر جوهري للتكهن بمستقبل حكومة البلاد المتهالكة والمحبطة بألغازها والتي تتعمد التهديدات في الغالب. ولقد اتضح أن كيم يونغ إيل يجسد ماري أنطوانيت بالنسبة لسلالته. وبروحية «أنا ومن بعدي الطوفان» أجل تعيين خلف له إلى ان اصبح على شفا الموت، وعدم اهتمامه بمستلزمات تعزيز النظام يزيد من احتمالات وقوع الكوارث في أعقاب وفاته.

وعلى عكس أبيه، الزعيم الكوري الراحل، كيم إيل سونغ، الذي استفاد من سنوات من التعليم والتدريب قبل ظهوره السياسي، فإن كيم يونغ إيل دخل المسرح السياسي من دون أية رعاية أو تنشئة سياسية مرافقة لهذا الصعود.

ومما يزيد من الدهشة حيال الضعف الذي يتحلى به كيم يونغ إيل أن استعدادات مدروسة ومنهجية كانت قد مهدت لصعوده إلى السلطة من قبل والده كيم أيل سونغ، المؤسس لدولة كوريا الشمالية الحديثة، وهذا المشروع أعد له على مدى ربع قرن من الزمن على أقل تقدير.

في سبعينات القرن الماضي، أمرت بيونغ يانغ وسائل الإعلام في كوريا الشمالية بالتمجيد لـ «مركز الحزب»، والإشادة بأسطورة وطنية جديدة ببصيرة لا تخطئ، تشكل نوعاً من التأليه الذي أوجدته الحكومة ويستدعي إخلاصا لا يتزعزع. وفي عام 1980، كشف عن «مركز الحزب» بشخصية كيم يونغ إيل، والأبهة والعظمة التي رافقت هذه التدابير أوضحت، قبل مدة طويلة من عملية انتقال السلطة، من سيخدم كخلف لكيم إيل سونغ تحديداً.

ومن جهة أخرى، كان أمام كيم يونغ إيل سنوات من التدريب على المهمة. وفي مقابلة صحافية عام 1992، أشار الأب كيم إيل سونغ من دون سابق إنذار إلى انه أناب الإدارة اليومية لشؤون البلاد المحلية، أي السياسة الاقتصادية وأعمال الحزب والنشاطات الأمنية، إلى نجله البكر منذ اكثر من عقد من الزمن. توفي كيم ايل سونغ في عام 1994، وكان كيم يونغ إيل في أوائل الخمسينات من عمره، يساعد في إدارة البلاد خلال معظم حياته.

وبمعزل عما قد يقال حول شخصية كيم إيل سونغ، وكان مسؤولا عن مصرع ملايين من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء بسبب الحرب الكورية التي شنها، فقد كان مقاتلا عسكريا سياسيا محنكاً عازما على ضمان حكم أبدي لعائلته للشعب الكوري، أوجد العقيدة العلمانية التي تبرر ما اتخذه من تدابير لسلالته أمام شعبه، وبدأ منذ نهاية الحرب الكورية تقريبا، بزرع مقربين له لمواصلة سلالة حكم العائلة.

والاختيار الأول لكيم إيل سونغ ظهر في شخصية الأخ الأصغر «للقائد العظيم»، كيم يونغ جو، الذي سمح له بالوجود كشخصية قوية في سياسة كوريا الشمالية خلال الستينات. وقد أفادت اشاعات أن كيم يونغ جو كان رجلا قاسيا وخطيرا، ومع صعود «مركز الحزب»، كيم يونغ إيل، اختفى من سياسة البلاد، ولم ير مجددا أبدا في العلن إلا بعد وفاة أخيه.

بالنسبة لكيم إيل سونغ، فإن التوارث قضية عائلية، لا تحتمل مجالا واسعا للعواطف. والاستدامة تعد مفتاح الحل، وقد وجد كيم يونغ إيل، عن حق أو خطأ، أنه الأفضل لضمان استدامة نظام العائلة من أخيه.

لكن كما بالنسبة لورثة الكثير من الرجال العصاميين، فإن كيم يونغ إيل بدد ميراثه. وبدلا من التصرف كوكيل أعمال سلالته، كشف عن رؤية قصيرة مهووسة بالذات، متجذرة، تغذيها سلطــته المطلقة. وكانت لامبالاته ببقاء النظام، على نقــــيض الاهتمام الزائد ببقائه شخصيا، ظاهرة بجلاء من البداية، فقد سخر من المؤسسات، معززا قوة بيونغيانغ وسلطتها، وتجاهل الحزب الحاكم وما تنص عليه أنظمته رسميا بخـــصوص عقد مؤتمرات بشكل منتظم، واستهزأ بميثاقه متجاوزاً القنوات الرسمية متوجاً نفسه الأمين العام في عام 1998.

وفي السياق نفسه، قام في تلك السنة بإصدار دستور غير واضح المعالم، وطبق هذا التصرف السيء على مبادئ التوريث أيضا. من تسعينات القرن الماضي إلى السنوات الأولى من هذا القرن، لم يتخذ كيم يونغ إيل أية خطوة في العلن يشير فيها إلى اختياره خلف له، على الرغم من أن التقارير تفيد بوجود سبعة أبناء معترف بهم، ولكن أيا كانت الأسباب، فإن «الزعيم المحبوب» لم يجد أيا منهم مناسبا. أما نجله البكر، كيم يونغ نام، فقد تم اعتقاله ثم ترحيله من اليابان التي سافر إليها بجواز مزور عام 2001. ومنذ ذلك الحين، نفي إلى ماكاو. وفي السنوات الأخيرة، فإن ابنا آخر، هو كيم يونغ شول، كان موضع تركيز لحملة تزلف ومداهنة لم تدم طويلا، ولم يسمع شيء عنه منذ ذلك الحين.