ورث الزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ إيل، لدى تسلمه مقاليد السلطة في عام 1994، نظاما مترهلا. فقد أدى تفكك الاتحاد السوفييتي وعقود من سوء الإدارة في كوريا الشمالية، إلى اقتصاد على شفا الهاوية. وبعد سنة من حكم كيم يونغ إيل، دخلت كوريا الشمالية فيما يطلق عليه المؤرخون رسمياً اسم «المسيرة الشاقة»، وهي فترة من المجاعة الشاملة حصدت أرواح ما يناهز ثلاثة ملايين شخص.
وهناك عاملان سيحددان قدرة النظام على البقاء، العامل الأول محلي، والثاني خارجي. العامل المحلي يتمثل في مدى قدرة كيم يونغ أون على استلام مواقع السلطة الحيوية في الجيش والحزب والحكومة على التوالي، والسرعة التي سيتمكن بها من إجراء ذلك. ويستمد كيم يونغ أون شرعيته من كونه حفيد كيم إيل سونغ وابن كيم يونغ إيل، وهذا بالتأكيد نسب يحسب له حسابه، لكنه يشكل ايضا رصيده الوحيد لاستلام السلطة. وهذا الأمر قد يكون أو لا يكون كافيا لـتوليه الحكم، حتى بالنسبة إلى الذين يستمرون في المجاهرة بالولاء لسلفيه.
وهنا فإن دور الأعضاء القدامى من النخب الحاكمة في كوريا الشمالية، مثل جانغ سنغ تايك، صهر كيم يونغ إيل، سيكون حيويا. وخيارات جانغ وتصرفاته في الأسابيع أو الشهور المقبلة، وهو الذي عهد إليه، كما يقال، بدور التوجيه والإشراف على خليفة كيم لإيصاله إلى السلطة، ستبرهن على أنها حاسمة فيما يتعلق بمدى سلاسة عملية التوريث.
لكن كيم يونغ إيل أورث نجله أيضا نظاما يمتلك حكما شموليا غير مسبوق في تطفله على حياة شعبه وتحكمه بمصيرهم، مقارنة بأي نظام مماثل ماضيا وحاضرا. وهو نظام يمزج الحزب بالجيش وعائلته بشكل سلس، وإذا نجح كيم الصغير في ضمان إحكام قبضته على المقابض الرئيسة لهذا النظام الشمولي الهائل، فإن النتيجة الأكثر ترجيحا تتمثل في حفاظه على سلالة العائلة اقله حتى هذه الساعة.
أما العامل الخارجي الحاسم فهو الصين. فمنذ تأسيس كوريا الشمالية، بقيت الصين الداعم القوي لها، وقد ضحت بحياة مئات الألوف من جنودها للدفاع عنها ضد قوات الأمم المتحدة خلال الحرب الكورية. وبحسب بعض التقديرات، تزود الصين كوريا الشمالية بما يضاهي 90% من حاجاتها النفطية و70% من وارداتها الغذائية. وهي البلاد الوحيدة ذات التأثير التي تستمر في الدفاع عن كوريا الشمالية على المسرح الدولي، واحيانا على حساب سمعتها، كما حصل عندما رفضت إدانة كوريا الشمالية لإغراقها السفينة الحربية لكوريا الجنوبية «شيونان» أو قصف جزيرة يونبيونغ السنة الماضية.
والرهان على الصين يعد رهانا آمنا، فالصين تستمر في دعم نظام كوريا الشمالية، ليس بسبب حبها لسلالة كيم، وإنما لهوسها بالحفاظ على الاستقرار على حدودها. فهي تمقت رؤية أي تعطيل لصعودها الاقتصادي، لاسيما احتمال تدفق ملايين اللاجئين إذا ما انهارت بيونغ يانغ. إلى جانب ذلك، قد تريد الصين الحفاظ على كوريا الشمالية كـ»وسادة عازلة» ضد كوريا الجنوبية واليابان المتحالفتين مع أميركا، وتعد كوريا الشمالية شوكة مناسبة في خاصرة أميركا وحلفائها في المنطقة، مما يبقي تلك البلدان مشغولة ببرامج أسلحة الدمار الشامل لكوريا الشمالية واستفزازاتها الأخرى بالوسائل التقليدية أحيانا.
وعلى الرغم من اقتصادها المحطم ومسار عملية التوريث المهزوز، الا ان كوريا الشمالية تستمر في الخوض في الوحل. ونظام شمولي تمت هندسته من قبل عقل مريض يمكنه على الأرجح ان يخدم سيده جيدا. لذا، تستمر جارة كوريا الشمالية العملاقة الصين التي تسير في درب التنمية على مدى العشرين سنة الماضية، وهو درب لا يمكن إلا ان يكون مختلفا عن المسار الذي تمضي فيه كوريا الشمالية، في مد يد العون إلى هذا النظام البائد بعيدا عن كل منطق.
ويتعين على العالم أن يعاني من وجود هذا النظام الذي لايزال استمراره يحير العقول، وأن يستمر الشعب الكوري الشمالي الذي طالت معاناته في «مسيرته الشاقة». وفي المقابل، ينبغي للاقتصاديات المزدهرة في شمال شرق آسيا أن تتحمل لبعض الوقت نظاما، لا يضاهي تشكيله تهديدا للسلام والازدهار في المنطقة، سوى عدم القدرة على التنبؤ بأفعاله.
