في عام 1992، قام "دينغ شياو بينغ"، مهندس الإصلاح والانفتاح في الصين، بجولة في بعض المدن في جنوب الصين. وخلال الرحلة، قدم ملاحظات حث من خلالها الأمة كلها على أن تتحلى بالجرأة في دفع الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي. و قادت ملاحظاته المهمة إلى معدل نمو اقتصادي مؤلف من رقمين في السنوات الـ 10 بين عامي 1992 و 2002. واندهش بعض الناس في الخارج من ذلك. وتساءلوا إلى أين تسير الصين. وهل ستعمل الصين على اتباع خطا البلدان الصناعية أو الاتحاد السوفيتي؟

للإجابة عن أسئلتهم ومخاوفهم، كرّستُ الكثير من وقتي للدراسات في تاريخ الصين وتاريخ صعود القوى الاستعمارية السابقة والاتحاد السوفيتي. ويمكن رؤية نتيجة دراستي في أطروحتي بشأن النهضة السلمية للصين التي قدمتها في عام 2002. ونظراً لتجربة الأمة الصينية والتغيرات التي طرأت على الوضع الدولي، فإن الصين، وهو ما جادلت بشأنه، لا بد أن يأخذ مسار النهضة السلمية.

إن النهضة السلمية للصين لا تتعلق بالصين وحدها. ففي التعامل مع العلاقات الدولية، أعتقد أننا في حاجة إلى نهج جديد. ولهذا السبب، فقد أشرت إلى أنه يتعين على الصين أن تعزز مسألة "تلاقي المصالح" مع البلدان الأخرى، و تكرّس جهودها لبناء "مجتمعات المصالح" في مختلف المجالات وعلى مختلف الأصعدة.

فالعالم اليوم يختلف عما كان عليه في القرنين العشرين و التاسع عشر. وبفضل العولمة، فإن مصالح الدول المختلفة أصبحت شديدة التشابك بحيث ان الأزمة التي تصيب دولة ما ربما تمتد إلى دول أخرى أو تؤثر فيها. وهناك المزيد والمزيد من التقارب في المصالح في العالم. والتوسع في هذه المجالات من المصالح المهمة المتداخلة يأتي من خلال إضافة اللبنات لبناء مجتمعات المصالح.

خلال العقد الجاري من القرن الحادي والعشرين، تواجه الصين وأوروبا والولايات المتحدة تحديات رهيبة في الداخل. والتحديات المحلية تفوق بكثير التحديات الأمنية من الخارج.

وبالنسبة للصين، فإن التنمية والاستقرار لا يزالان على قمة جدول الأعمال. وفي الوقت الحاضر، فإن معدل التضخم المتزايد والضغط الناجم عن سعر صرف الرنمينبى وفقاعات العقارات و الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء تتطلب حلاً عاجلاً. على المدى الطويل، فإن إعادة الهيكلة الاقتصادية المتمثلة في التقدم في مجال العلوم والتكنولوجيا والتعليم، وتحسين الإدارة الاجتماعية، مثل الرعاية الصحية الشاملة ونظام الرفاهية الاجتماعية، تعتبر المهام الثلاث ذات الأهمية الأساسية التي يتعين علينا إنجازها.

إن المشكلة الأكثر إلحاحا في الولايات المتحدة ليست الأمن، ولكنها التحديات الاقتصادية الخطيرة، المتمثلة في الديون المذهلة المستحقة على الحكومة على المستويين الفيدرالي و الولايات والميزانيات غير المتوازنة والنمو الاقتصادي غير المستقر، وعدم كفاية الاستثمارات وارتفاع معدلات البطالة وانعدام الثقة في الدولار الأميركي.

تأتي التحديات الأكثر خطورة في أوروبا من داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، وليس من أجزاء أخرى من العالم. فالدول الأوروبية تواجه مهمة ملحة لتحقيق التوازن في الميزانيات وسداد الديون السيادية والانتعاش الاقتصادي وزيادة قدرتها التنافسية الدولية.

وللتصدي للتحديات التي تواجهنا، فإننا جميعا بحاجة إلى بيئة خارجية مستقرة، وإجراء إصلاح تدريجي للنظام الدولي و تبني نهج معتدل للحكم على مستوى العالم.

هنا تكمن مصلحتنا المشتركة الكبرى. فلو أن الصين والولايات المتحدة

وأوروبا تأخذ بعين الاعتبار مسألة استقرار الطرف الآخر، وأن النظام الدولي في مصلحتها، فإنه يمكن إرساء أساس متين لبناء مجتمعات المصالح فيما بيننا.

تعد الصين الشريك التجاري الرئيس لكل من الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم، و أوروبا التي تعتبر أكبر تجمع اقتصادي. فاقتصاداتنا مترابطة للغاية بعضها مع البعض الآخر. فالصين، على سبيل المثال، لديها احتياطي من العملات الأجنبية بقيمة 3.2 تريليونات دولار أميركي. وهي تحتاج الى متنفس. ولا يعتبر تقييم الرنمينبى مخرجاً.

والاستثمارات تفيد الجانبين. فالولايات المتحدة وأوروبا تكرس جهودا كبيرة لتوفير فرص العمل. فلو أن الشركات الصينية يمكنها توسيع نطاق الاستثمار في الولايات المتحدة وأوروبا، سيكون هناك المزيد من فرص العمل للأميركيين والأوروبيين. وعلى الجانب الآخر، هناك أيضاً فرص كبيرة لرجال الأعمال الأميركيين والأوروبيين للاستثمار في الصين. الأمر المهم هو تخفيض و كسر الحواجز التجارية والاستثمارية. من أجل الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، فإننا بحاجة أيضاً إلى تعزيز المشاورات حول إصلاح النظم النقدية ونظم التنظيم المالي.

في الواقع هناك العديد من المجالات الأخرى التي تتلاقى من خلالها مصالحنا. ويعتبر التغير المناخي والطاقة النظيفة المجالين الواعدين للتعاون. وتعد الصين والولايات المتحدة أكبر مستهلكين للطاقة وأكبر مستوردين للنفط و المسؤولين عن انبعاثات الكربون. كما تعتمد أوروبا اعتماداً كبيراً على النفط المستورد، والذي سيصل إلى 70% من استهلاكها للطاقة في عام 2030.

ويمكن أن يتيح التعاون في مجال الطاقة النظيفة إمكانات كبيرة بالنسبة للنمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي في الصين لصالح جميع الأطراف. وهناك مجالات أخرى مهمة لتحقيق تقارب في المصالح، وتشمل الأمن المعلوماتي و غيرها من مجالات الفضاء والبحرية. وتعتبر هذه المجالات هي التي تؤثر في أمن البشرية ككل. و ينبغي اعتبارها "مساحات مشتركة"،

أو بمفهوم أكثر اقتصادية، "منافع عامة عالمية". ومن الضروري وضع قواعد مشتركة وأساليب عمل في جميع هذه المجالات من خلال توافق الآراء.

لدينا أيضاً مصلحة مشتركة في مجالات الأمن غير التقليدية مثل مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.