لم تستحق الحملة الانتخابية الأولية للجمهوريين أن تكون ضمن دائرة الاهتمام لنقاشها المتعلق بالسياسة الخارجية. لكن تبرز مجموعة من التصريحات، وهي تصريحات "ميت رومني" المتعلقة بالصين. ففي سلسلة من الخطب والردود والمقالات الافتتاحية، انتهج "رومني" مساراً شرساً، متهماً بكين بالغش "على جميع المستويات تقريباً" في علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، ووعد بأن يدمغها بأنها متلاعبة بالعملة، في أول يوم له كرئيس. وقال في أحد النقاشات في أكتوبر الماضي:"إذا لم تكن مستعداً للوقوف في وجه الصين، فإنها ستدهسك". موقف "رومني" مهم لأنه يشكل قطيعة مع سياسة خارجية للجمهوريين دامت 40 عاماً.
فمنذ أن فتح الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون و وزير خارجيته هنري كيسنغر الباب، صار الحزب الجمهوري حزب الشراكة مع الصين. وفي كثير من الأحيان كان الديموقراطيون يشنون حملات أكثر صرامة. إذن فلماذا يعمد "رومني"، وهو جمهوري معتدل يبذل قصارى جهده من أجل عدم إبداء تصريحات من هذا النوع خلال الحملة الأولية، إلى هذا الخروج الحاد عن القاعدة؟ يمكن أن نجد الجواب عن هذا السؤال في نتائج استطلاعات الرأي.
إحدى العواقب المترتبة على هذا الركود الكبير أن الرأي العام الأميركي الآن لديه وجهة نظر معادية للصين دون تحفظ، باعتبارها سارقة للوظائف وتهديدا اقتصاديا. و أشار استطلاع للرأي أجراه أخيراً مركز أبحاث "بيو" أن أكثر من نصف الأميركيين يرون أن نمو الصين يعد أمراً ضاراً بالنسبة لأميركا وتحول "رومني"، يعكس الحقيقة التي مفادها أن أنشطة الأعمال، التي تعتبر الدوائر الرئيسة للعلاقات الجيدة مع الصين، آخذة في تغيير وجهات نظرها.
وفي الوقت الذي اعتمدت بكين سياسات لصالح الشركات الصينية على حساب نظيراتها الأجنبية، و رفضت اتخاذ إجراءات صارمة ضد سرقة الملكية الفكرية المتفشية، فقد أصبح رجال الأعمال في الولايات المتحدة أقل افتتانا وأكثر قلقاً.
الأميركيون ليسوا وحدهم الذين يشعرون بالقلق. وفي أفريقيا، حيث أغدقت بكين في الاهتمام والاستثمار والمساعدات، في مقابل الموارد الطبيعية والطاقة، برزت الصين باعتبارها قضية بالغة في السياسة الخارجية. وفي حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في زامبيا، كان هناك نقاش محدود بشأن الولايات المتحدة أو الغرب أو الاستعمار الجديد، لكن أحد المرشحين، وهو مايكل ساتا، أشار إلى أن الحكومة الزامبية قد باعت المقدرات الاقتصادية للبلاد إلى بكين. المسألة مفهومة، و لا عجب في ذلك، فأهم صادرات زامبيا هو النحاس، و الشركات الصينية المملوكة للدولة تشتري الكثير منه. (وهذا هو تأثيرهم الذي برز عندما فاز ساتا في الانتخابات الرئاسية، وسرعان ما أبرم السلام مع بكين، حيث اقام مأدبة غداء للمستثمرين الصينيين في أكتوبر الماضي واعداً إياهم بعلاقات طيبة).
وعلى امتداد آسيا، تتم مراقبة أية خطوة تخطوها الصين الآن بقدر كبير من الاهتمام. ففي عام 2010، وفي الوقت الذي أكدت الصين سيادتها على الجزر والمياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، أزعجت جيرانها من اليابان إلى كوريا الجنوبية حتى فيتنام.
وكانت بكين أكثر دبلوماسية هذا العام، لكن التوترات لا تزال قائمة. وفي قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) التي انعقدت يومي 12-13 نوفمبر، ردد العديد من القادة ما قاله رئيس وزراء سنغافورة إن الولايات المتحدة كانت موضع ترحيب في المنطقة، وأن وجودها سيكون "أمراً طيباً".
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت في السادس عشر من نوفمبر أنها لأول مرة سوف تنشئ وجوداً عسكرياً رسمياً في استراليا، وهي قاعدة بها كل المقومات ما عدا الاسم. تعمل إدارة أوباما في الوقت الحالي على إعادة إشراك آسيا، مخالفة اتجاه خفض القوات من عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش، الذي كان أكثر تركيزاً على العراق والشرق الأوسط. وكثيراً ما كان دبلوماسيون آسيويون يشكون من أن مشاركة الولايات المتحدة في مؤتمرات القمة الإقليمية كانت على مستوى منخفض جداً. ويعتبر حضور أوباما في قمة ابيك تحولاً في هذا النهج.
