لم يقصد بالانتخابات التي جرت في روسيا، أخيراً، إفراز المفاجآت، تماماً كما أنه من غير المقصود أن تفيض شوارعها بالمتظاهرين.
وليس من المفترض أن يتم إطلاق صيحات الاستهجان لقادتها السياسيين علناً. "الديمقراطية الموجهة" في روسيا، في ظل تقييد حرية وسائل الإعلام، التي من شأنها ترويض مرشحي المعارضة المسموح لهم، وتزوير الانتخابات على نطاق واسع، الهدف منها منح انتصارات كبيرة لرئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين وحزبه روسيا المتحدة". إلا أن الانتخابات البرلمانية التي جرت في الرابع من ديسمبر أفضت إلى مفاجأة، وهي أن نصيب حزب روسيا المتحدة من الأصوات انخفض من 64 ٪ إلى أقل من 50 ٪، الأمر الذي لم يعط الحزب سوى أغلبية ضئيلة.
والأمر الأكثر بروزاً أن المتظاهرين نزلوا إلى شوارع موسكو في أكبر احتجاجات شهدتها روسيا منذ سنوات، وهم يهتفون "روسيا من دون بوتين" قبل أن تندفع القوات لمنعهم. وجرت احتجاجات أقل في مدن أخرى. وهناك نحو 17 ألف شخص اشتركوا في الاحتجاج في ساحة الثورة، وهي الساحة الرئيسة في العاصمة موسكو. وطلبت منهم الحكومة اختيار موقع آخر.
صدع النظام
تشكل هذه الأحداث أكبر صدع في النظام في روسيا منذ مجئ بوتين للمرة الأولى إلى سدة الحكم في أواخر عام 1999. وكون هذه الأحداث تجري في الوقت الذي يستعد بوتين للعودة في مارس المقبل لتسلم فترة رئاسية تمتد ست سنوات أخرى ليس من قبيل المصادفة.
وقد اعتمدت سلطة بوتين على أساسين. أحدهما يتمثل في أنه على الرغم من ازدراء حكومته لقضايا حقوق الإنسان وغض الطرف عن الاختلاس الذي يجري من حوله، فإن بوتين تمتع بشرعية لأنه كان يحظى شخصياً بشعبية كبيرة. أما الأساس الآخر فهو أنه كان قادراً، إلى حد كبير وبفضل ارتفاع أسعار النفط، كان قادراً على ضمان ارتفاع مستويات المعيشة بشكل مضطرد بالنسبة للروس. وكلا الأساسين يبدوان ضعيفين الآن. ولا ينذر ذلك بنهاية فورية للنهج "البوتيني"، ولكن، للمرة الأولى، فإن مستقبل روسيا فيما بعد بوتين لم يعد يبدو مشرقاً. وينبغي أن يكون ذلك دعوة تحذيرية بالنسبة لزعيم روسيا لتبني الإصلاح.
يبدأ بوتين انطلاقاً من نقاط قوة بعينها. فشعبه لا يتوق إلى الليبرالية، وهو ما كشفت عنه نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "بيو"، تفيد أن الروس يفضلون، بهامش 57 ٪ إلى 32 ٪، الاعتماد على القيادة القوية بدلاً من الديمقراطية للوصول إلى حكومة جيدة. ووفقا لمعايير القادة المتبعة في أماكن أخرى، يبدو أن بوتين لايزال يتمتع بشعبية إلى حد ما، مع وجود تأييد بحوالي 40٪. ومن المرجح ألا يوجد ما يمنعه من الفوز بالرئاسة في مارس المقبل.
الرأي العام يتحرك
لكن من الواضح أن الرأي العام الروسي يتحرك ضده. وبدأت شعبية بوتين، الذي يشغل الآن منصب رئيس وزراء روسيا، في الانخفاض منذ شهر سبتمبر الماضي، وذلك عندما أعلن خطته لمبادلة المناصب مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، وهو الدمية التي وضعها كرئيس للبلاد بعد انتهاء أول فترتين رئاسيتين له في عام 2008. وبعد ذلك بوقت قصير علت صيحات الاستهجان لبوتين خلال مسابقة لفنون الدفاع عن النفس، وهي فكرة مذهلة قبل بضعة أشهر فقط. فقام على إثر ذلك بإلغاء ظهوره العلني، لكن البدائل التي أرسلها قوبلت بصيحات الاستهجان.
ربما لا تكون هذ "لحظة تشاوشيسكو"، عندما استيقظ دكتاتور يحظى بالرعاية على غضب شعبي. لكنه لايزال يشكل صدمة كبيرة. والمشكلة الكبرى التي يواجهها بوتين هي أن متطلبات الاقتصاد وعمليته السياسية تتضارب على نحو متزايد. ومن أجل البقاء في السلطة، فقد احتفظ بقبضته المحكمة على الاقتصاد. ونتيجة لذلك، فإن كلا من روسيا ونظام الرعاية السائد في روسيا لايزالان يعتمدان اعتماداً كبيراً على النفط والغاز.
الفساد وعدم الكفاءة يعنيان أن الميزانية لن تحقق التوازن ما لم تستقر أسعار النفط عند حوالي 110 دولارات للبرميل، وهو الأمر غير المرجح، في ظل التوقعات العالمية القاتمة. وتفرّ رؤوس الأموال والمواهب من اقتصاد يوفر فرصاً محدودة.
ومن المرجح أن تنخفض معدلات النمو. ومن دون زيادة مستويات المعيشة، فإن الاستياء من الحكومة من المرجح أن يرتفع. قبل عشرين عاماً، أدى وجود تناقض مماثل بين السياسة والاقتصاد إلى إسقاط الاتحاد السوفيتي السابق. وبشكل يثير الاستغراب، يبدو أن بوتين يرحب بعقد مقارنة مع تلك الفترة. فهو يروج لها باعتبارها أولوية في سياسته الخارجية الجديدة لـ "اتحاد يورآسيا" لجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، ويسمح لمؤيديه بامتداح سنوات "بريجنيف"، وهي فترة أخرى تحول خلالها الاستقرار إلى ركود. لكنه لابد له من الخوف من احتمال تزايد المقاومة ضد نظامه أيضاً. فهل يمكنه تجنب ذلك؟
والبديل هو مزيد من القمع. وقرار استدعاء القوات يوحي بأن هذا هو الطريق الذي اختاره بوتين. فربما يُحكِم قبضته بطرق أخرى، ربما يكون من خلال تجنب حزب "روسيا المتحدة"، وهو الحزب الذي يواجه بسخرية على نطاق واسع بوصفه "حزب المحتالين واللصوص"، أو عن طريق توريط ميدفيديف كرئيس للوزراء. ويتوقع المراقبون المحنكون أيضا تهديدات للدولة، تتعامل معها الحكومة بالقمع. ويحتاج بوتين لمتابعة نموذج مجاور لروسيا وهو نموذج روسيا البيضاء، حيث يتشبث الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بالسلطة كونه آخر دكتاتور في أوروبا.
