في ظل الحكم الفوضوي، والمحرر رغم ذلك، للرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، فقد حكم القلة من الأوضاع السائدة.
وفي عهد رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، وهو مسؤول الاستخبارات الروسية سابقاً، يبدو أن البيروقراطيين هم الذين حل عليهم الدور لنهب البلاد. والسلطة التنفيذية هي السائدة الآن، والبرلمان في حالة سلبية، والقضاء أصبح أداة سياسية، والإعلام يتعرض للترويع. وتعتمد أنشطة الأعمال على هوى الكرملين، و يتم إجبار الأقاليم على الطاعة. وبعد سلفه غريب الأطوار، قدّم بوتين الاستقرار القائم على الحكم الاستبدادي. وتركت شعبيته الشخصية وارتفاع أسعار النفط والغاز هذه العقد على حالها لأكثر من عقد.
تقويض كارثي
غير أن شعبيته تعرضت للتقويض على نحو كارثي نتيجة التظاهرات التي عمّت جميع أنحاء البلاد. وجعل الحكم بلا منازع بوتين سياسياً متغطرساً. في البداية، أعلن في سبتمبر الماضي أنه تم التوصل منذ فترة طويلة إلى اتفاق لعودته إلى الرئاسة خلال العام المقبل، خلفا لدميته الرئيس الحالي ديمتري ميدفيديف. بعد ذلك، تم تزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة لصالح تلك العملية الشكلية لرئيس الوزراء، وهي روسيا المتحدة. وقد أدى هذا الافتراض بالإفلات من العقاب إلى احتجاجات عمّت جميع أنحاء روسيا، التي كان أكبرها في العاصمة موسكو، حيث اجتذبت نحو 50 ألف شخص. شعبية بوتين آخذة في التراجع، في ظل المناخ الاقتصادي العالمي الحالي، ومن الواضح أن ارتفاع أسعار النفط، الذي يعتمد عليه نظام حكمه الفاسد، يواجه التهديد.
شرعية واهنة
القيصر لا يوشك على السقوط، لكن شرعيته وهنت. وقد تمت الدعوة إلى القيام بمزيد من التظاهرات عشية رأس السنة الجديدة، وهناك من يتحدث عن مقاطعة الانتخابات الرئاسية في مارس المقبل. وكان رد فعل بوتين هو اتهام القوى الأجنبية. وربما يتبع ذلك إجراءات تشديد الرقابة السياسية وزيادة الإنفاق العام. ولكن لكي يكسب معارضيه مرة أخرى، يتوجب عليه أن يحسّن أداءه أفضل من ذلك. والفشل في تحرير ما سُمي بـ "البونابرتية الناعمة" لبوتين سوف يترك روسيا أكثر تجهماً، وأقل استقراراً.
لن يسير نظام الحكم في روسيا على نحو هادئ. فقد رأينا ما حدث للرئيس المصري السابق حسني مبارك وآخرين. كانت لدينا فكرة مسبقة بشأن الأساليب التي يمكن توقعها. فقد اتهم بوتين الغرب بالتحريض على الاضطرابات التي اندلعت. ورافق عملية الانتخابات طوفان من الهجمات على مواقع المعارضة بالانترنت. وكانت خلفية التظاهرات عبارة عن طوفان من تعليقات الموالين على موقع "تويتر". وطلب من أحد مواقع الرسائل الفورية الإغلاق. ويمكن أن تتوقع السلطات الآن تقلص حجم وكثافة التظاهرات، في الوقت الذي تشتد قسوة برودة الشتاء وعطلة يناير الطويلة، الأمر الذي يستنزف المزيد من الزخم.
ويتمثل السباق الحاسم في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في شهر مارس المقبل، لكن من الصعب أن نرى بوتين يخسر. ويمكن للسلطات، كما فعلت في الماضي، استبعاد أي مرشح يحظى بالقبول من المعارضة. فلديها أكثر من 100 مليار دولار لاستخدامها، وسوف تتعلم من الكارثة الأخيرة للسيطرة على الأمور بشكل أكثر مهارة في المرة المقبلة. وسوف تكون هناك إشارة رئيسة تتمثل في أي إجراء باتجاه اتخاذ مزيد من الرقابة على الانترنت.
ومن المهم أن نتذكر أن بوتين مازال يتمتع بشعبية طاغية. ففي حين أن الشباب المتعلمين من سكان المناطق الحضرية ربما يتمردون على نظامه، فلا يزال معظم الروس يثقون في قدرته على إعادة النظام إلى بلادهم المضطربة. وأظهر استطلاع حديث للرأي أن حوالي نسبة الضعف من المواطنين يريدون "زعيماً قوياً" مقارنة بمن يريدون حكومة ديمقراطية.
