فيما تستعد القوات الأميركية الأخيرة للانسحاب من العراق، بحيث تكون قد رحلت كلها عنه مع انتهاء العام، فإن السؤال الكبير الذي يفرض نفسه هو : "أي عراق ذلك الذي يتركونه وراءهم؟ وهل يعني الرحيل الأميركي أن العراق قد يعود إلى الاقتراب، أو حتى العودة إلى الحرب الأهلية؟"
يسعى المسؤولون الأميركيون إلى تجنب أي إشارة إلى أن هذا يـُعد تراجعاً عسكرياً، بل إنهم يفضلون تجنب كلمة "انسحاب" ويصفون السحب النهائي للجيش الأميركي، الذي كان قوامه ذات يوم 170 ألف جندي، ينتشرون في 550 قاعدة، بأنه "إعادة تمركز" للقوات.
يظل العراق بلداً خطيراً على نحو غير مألوف فمنذ غزو القوات الأميركية لأراضيه قبل 8 سنوات ونصف السنة، لم يمر يوم إلا قـُتل فيه عراقيون أو جرحوا، وربما تكون الخسائر أقل بكثير مما بلغته في ذروتها، حيث وصلت إلى 3000 قتيل شهرياً في 2006، إلا أن الخسائر ليست محدودة بأي حال.
محاولة اغتيال
وقد شملت نقاط الذروة في العنف خلال الأسبوعين الماضيين محاولة لاغتيال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وخمس هجمات انتحارية بالقنابل في يوم واحد أسفرت عن مصرع 21 شخصاً وجرح 100 غيرهم.
وفي نوفمبر الماضي وحده قتل 255 مدنياً وجندياً ورجل شرطة عراقياً بحسب إحصاءات المحكمة العراقية.
وعندما يسأل العراقيون عن رد فعلهم على رحيل القوات الأميركية، فلأنهم يعربون عن شعورهم بعدم الارتياح، ويمضون إلى التأمل الحذر حول ما سيحدث عقب ذلك، ويلقي الكثيرون باللوم على كاهل الولايات المتحدة عن العنف الذي أصاب الجميع عقب الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والذي لم ينته حتى الآن. وغالباً ما تحسم الولاءات العرقية والاجتماعية المواقف التي يعرب عنها العراقيون حيال الانسحاب الأميركي، فالسنة في بغداد الذين تعرضوا للمذابح والطرد، يشعرون بعدم الارتياح ويتحسبون للمخاوف الأمنية.
وبالمقابل، فإن الشيعة في العاصمة العراقية يشعرون بمزيد من الثقة، ويستبعدون غالباً إمكانية اندلاع حرب أهلية في البلاد.
وهذا التخوف العراقي حيال المستقبل هو وليد المخاوف النابعة من مذابح الماضي، فقد قتل 225 ألف عراقي منذ عام 2003 وفقاً لأحد التقديرات.
دور محدود
ومن الناحية العملية فإن الأميركيين لعبوا دوراً محدوداً فيما يتعلق بالأمن العراقي منذ 2009، ففي العديد من المناطق كان للأميركيين نفوذ محدود، غير أن هناك من يعتقد أن هذا التقدير بعيد عن الدقة، حيث نسب إلى أحد الوزراء العراقيين قوله: " لقد ساعد الأميركيون على إبقاء قادة الجماعات المختلفة في إطار شكل ما من أشكال الإجماع، وهو الأمر الذي يعد أهم التحديات هنا». ولا يمضي العراقيون جلّ وقتهم في التفكير في السياسة، والحديث عنها، وبالنسبة للكثيرين منهم، فإن التحدي الأكبر هو محاولة تمرير اليوم، وهي المحاولة التي أصبحت في كثير من الأحيان هدفاً في حد ذاته.
سهولة التحرك
ويـُعد التحرك في أرجاء بغداد حالياً أسهل مما كان عليه في العام الماضي، وهناك المزيد من حركة المرور التي أصبحت أكثر انسيابية، لأن هناك نقاط تفتيش أقل، والعديد من الكتل الإسمنتية التي تشكل حواجز ثابتة في الشوارع تمت إزالتها. بل إن هناك إشارات مرور تعمل بانتظام عندما تكون الكهرباء متوافرة، وطريق مطار بغداد الذي كان أخطر طريق مرصوف في الدنيا، يعد الآن آمناً بشكل نسبي، ولم يعد هناك وجود للسيارات المحترقة التي كانت تمتد على جوانبه.
وتبقى المحال التجارية مفتوحة في بغداد حتى وقت متأخر، وليست هناك طوابير تمتد أمام محطات الوقود. وليست كل الأخبار سيئة في العراق، فهو يعتمد الآن بالكامل على عوائده النفطية، التي تتزايد بسرعة كبيرة، وتمكن الدولة من دفع الرواتب لأعداد كبيرة من العاملين. فقوى الأمن وحدها تضم 900 ألف رجل، والمدرسون يحصلون الآن على رواتب مناسبة.
