ربما تفرز الانتخابات البرلمانية المصرية، التي بدأت جولتها الأولى في الثامن والعشرين من نوفمبر الماضي، وأعقبتها أخيراً جولتها الثانية، محصلة تدعم المصالح الأميركية، لكن ذلك راجع إلى ضربة حظ مواتية.

وذهاب الناخبين في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المحافظات إلى صناديق الاقتراع بمباركة كاملة من إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لبدء المرحلة الأولى من الجولات الثلاث للانتخابات التشريعية في مصر بعد بضع ساعات فقط من انقشاع غبار الغاز المسيّل للدموع من شوارع المدن الرئيسية في مصر يبرز مدى تباعد رسالة واشنطن لمصر خلال الأشهر التسعة الماضية منذ نهاية حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك.

 

مقارنة

فلنقارِن، على سبيل المثال، مجموعتين من بيانات للبيت الأبيض صدرت في هذا الصدد. ففي مؤتمر صحافي عقد في الخامس عشر من شهر فبراير الماضي، أي بعد أربعة أيام من تنحي مبارك وإشادة الرئيس أوباما بشكل مستفيض بالثوار المصريين في "ميدان التحرير" مستشهداً بالزعيمين الهندي الراحل غاندي و الأميركي "مارتن لوثر كينغ" و سقوط حائط برلين، صدرت عن الرئيس الأميركي ملاحظات موضوعية بشأن المرحلة الانتقالية المقبلة في مصر.

قال فيها: "الآن فيما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط، فمن الواضح أنه لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به في مصر نفسها، لكن ما رأيناه حتى الآن يعد أمراً إيجابياً. فقد كرّر المجلس العسكري المسؤول عن البلاد التأكيد على الالتزام بمعاهداته مع دول مثل إسرائيل و بالاتفاقيات الدولية.

والتقى المجلس بالمعارضة، وشعرت المعارضة نفسها بأنه جادّ في المضي قدماً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وسوف تحتاج مصر إلى مساعدة في بناء مؤسسات ديمقراطية، وكذلك في تعزيز الاقتصاد الذي تعرض لضربة نتيجة ما حدث. لكن حتى الآن على الأقل، فإننا نشهد الإشارات الصحيحة تخرج من مصر".

وبعبارة أخرى بدأ الرئيس الأميركي بتصريح عن مصالح الولايات المتحدة المهمة (المتمثلة في التزامات مصر الدولية)، و شدد على أهمية "المؤسسات" الديمقراطية ( كإقامة نظام قضائي مستقل ونموذج للتسامح الديني)، وليست "الممارسات" الديمقراطية وحدها (على سبيل المثال، الانتخابات)، كما أبرز الدور الحيوي الذي كان من المرجح أن يلعبه الاقتصاد في ضمان نجاح عملية انتقال السلطة.

وعلى النقيض من ذلك، فإن بيان البيت الأبيض الذي صدر، أخيراً، لم يشر إلى أي من هذه الأمنيات، فلم يرد شيء بخصوص مصالح الولايات المتحدة ولا شيء عن المؤسسات ولا الاقتصاد.

بل يبدو أن إدارة أوباما، تفعل كما فعلت إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش عشية الانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، حيث أقنعت نفسها بفكرة أن الانتخابات، خاصة البرلمانية، هي المرادف للديمقراطية: "تؤمن الولايات المتحدة بشدة بأنه يجب تمكين الحكومة المصرية الجديدة بسلطة حقيقية على الفور.

وإننا نؤمن أن انتقال مصر إلى الديمقراطية يجب أن يستمر بمواصلة الانتخابات على وجه السرعة مع اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان الأمن ومنع الترهيب. والأهم من ذلك، أننا نؤمن بأن نقل السلطة بشكل كامل لحكومة مدنية يجب أن يتم بطريقة عادلة وشاملة تستجيب للتطلعات المشروعة للشعب المصري في أقرب وقت ممكن"

وبالرغم من ذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً لإجراء انتخابات تشريعية في البيئة الحالية هي زيادة التعددية التي من المتوقع أن تحصل عليها الفصائل الإسلامية مثل "حزب الحرية والعدالة" التابع لجماعة "الإخوان المسلمين"، بل و الأحزاب السلفية الأكثر تشدداً.

وربما يرى البعض في واشنطن هذه النتيجة مناسبة (أي وجود تمثيل الصوت "الأصيل" للشعب المصري)، بل وأنها تشكل رصيداً يضاف للمصالح الأميركية (أي أن هؤلاء الإسلاميين يطرحون بديلاً عن النموذج العنيف لأسامة بن لادن)، لكنهم مخطئون.

وربما يتخذ الإسلاميون في مصر منهجاً تطورياً للتغيير السياسي، لكن هذا نتاج تقييم عملي لما تتيحه الظروف وليس نوعاً من المعارضة الأيديولوجية للأسلمة المتطرفة في السياسة أو الثقافة أو المجتمع أو السياسة الخارجية.

وحتى بالرغم من ذلك، فإن هذا يعتبر تفكيراً تآمرياً للغاية بأن يتم الاعتقاد بأن أي دعاة للخطة الإسلامية في مصر إنما يعيشون أو يعملون في البيت الأبيض، ذلك أن الإدارة الأميركية ستفضّل بلا شك انتصاراً ليبرالياً ديمقراطياً على فوز إسلامي. فكيف أدى ذلك إلى قيام الرئيس أوباما بالدعوة بفعالية إلى اتباع سياسة تفيد المجموعات السياسية المعادية لمصالح الولايات المتحدة؟

من المهم أن نعيد إلى الأذهان أن الوضع الحالي لم يكن قدراً حتمياً. وعلى سبيل المثال، يبقى الأمر محيراً بشأن سبب إصرار العسكريين المصريين، ذوي الطبيعة الكارهة للمخاطرة، على إجراء انتخابات تشريعية محفوفة بالمخاطر، قبل عقد انتخابات رئاسية أقل درجة في الخطورة.

 والأمر الأكثر جوهرية هو أنه حتى لو تم أخذ الإخفاقات المتتابعة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في الاعتبار، لوجدنا أن هناك العديد من النقاط التي أثيرت خلال الشهور الثمانية الماضية التي كان يمكن أن يحقق فيها العسكريون هدفهم الرئيسي، وهو تحديد مساحة محمية لهم في مصر الديمقراطية الجديدة، دون أن يتسبب ذلك في رد فعل واسع النطاق.

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى ثلاثة أسئلة ستظل تؤرق واشنطن طويلاً، فيما يتعلق بمصر:

هل استخدمت إدارة أوباما كل نفوذها للضغط على المجلس الأعلى العسكري المصري لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية.

لماذا أيدت الإدارة علناً إجراء الانتخابات في الموعد المعلن عنه على الرغم من وجود بدائل تمتد من تعليق الانتخابات في القاهرة بسبب العنف إلى تغيير الجدول الزمني للانتخابات بكامله؟

هل مدّت الإدارة الأميركية في أي وقت من خلال العملية الانتخابية جسور الاتصال مع الناخبين المصريين بشكل يخلو من التهديد لتوضح لهم نتائج اختيارهم؟