أصيب الليبراليون في مصر بحالة من الانزعاج، أخيراً. فلو تمخضت نتائج الجولتين الثانية والثالثة من انتخابات مجلس الشعب عن النتائج نفسها التي أفرزتها المرحلة الأولى، فإن الأحزاب الإسلامية سوف تهيمن على أول شقي البرلمان المصري.

ففي الجولة الأولى من الانتخابات، التي أجريت يومي 28-29 نوفمبر الماضي، فازت الأحزاب الاسلامية على الليبراليين، حيث حصدت جماعة الاخوان المحافظة ما يقرب من 40% من المقاعد المخصصة لهذه المرحلة، وحصدت الأحزاب السلفية الأكثر محافظة على نسبة 24.4%. وفازت الكتلة المصرية، وهي ائتلاف من أحزاب ليبرالية، بحوالي 15% .

 اللحاق بالركب

يحاول الليبراليون الآن اللحاق بالركب، وهم الأكثر قلقاً لأن الجولة ساحة معظمها المناطق الريفية بمصر، التي تعد أكثر تقليدية و يغلب عليها الطابع الديني، و لا يحظون فيها سوى بشعبية أقل مما يتمتعون به في المدن.

وهذا خطأهم من جانب و ليس خطأهم من جانب آخر. في عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك، كانت الأجهزة الأمنية في البلاد غالباً ما تستهدف النشطاء الليبراليين، بتخويفهم وسجنهم لمعارضتهم النظام علناً، وكذلك منعهم من الاختلاط بالجماهير. كذلك تم استهداف أعضاء في جماعة الاخوان المسلمين، لكن السلفيين وهم الأكثر محافظة، الذين تجنبوا ممارسة السياسة قبل الثورة، أعطوا مجالاً واسعاً.

وفي الوقت الذي قضى الإسلاميون العقود القليلة الماضية في التنظيم متوارين عن الأنظار، كان المثقفون الليبراليون والعلمانيون و القوميون منشغلين بالمناظرات فيما بينهم و يكتبون مقالات الرأي في صحف أحزابهم. وعلى الرغم من أن العديد من مشكلات مصر اقتصادية، فإن الأحزاب الدينية يبدو أنها قادرة حتى الآن على الاستفادة من الغضب الشعبي بسبب التفاوت في الدخل.

وفي منطقة المهندسين التي تعتبر أحد الأحياء الثرية في القاهرة، فقد تجمع، أخيراً، نحو خمسين شخصاً بعد الظهيرة في يوم شتوي على أسطح أحد المنازل، في انتظار صعود دكتور عمرو الشوبكي المنصة لإلقاء كلمة.

يقول شريف مخلوف، الذي يعمل مستشاراً مالياً و يتولى إدارة الحملة الانتخابية للشوبكي: " ليست مهمة نائب البرلمان للتأثير على الناخبين أو استمالتهم". ومع ذلك، فإن هناك 60% من الناخبين في محافظة الجيزة، وهي الدائرة التي يخوض الشوبكي الانتخابات فيها، مسجلون في حي إمبابة الفقير.

ويأمل مخلوف بأن يعوّض الليبراليون ضعفهم على أرض الواقع من خلال التوحّد في المرحلة المقبلة. ويقول إن المرشح المنافس للشوبكي من الكتلة المصرية، و هو أكبر تحالف للأحزاب الليبرالية، انسحب من أجل تجميع كل الأصوات الليبرالية في الدائرة.

وعندما أمسك الشوبكي مكبر الصوت لإلقاء كلمته على الحاضرين، ركز معظم هجومه على السلفيين. أومأ الكثير من الحاضرين برؤوسهم موافقين، وهم مجموعة من الأشخاص يبدو عليهم الثراء. وقال الشوبكي: "لا ينبغي أن يكتب الدستور من قبل الأغلبية". و أضاف: "إذا حاول الإسلاميون السيطرة وحاولوا كتابته بأنفسهم، فسوف يكون ذلك أمراً خطيراً للغاية".

 

مواصلة المحاولة

وفتح المجال للحاضرين لطرح أسئلتهم. رفعت دينا الجندي، وهي واحدة من المحجبات القليلات بين الحضور، يدها لطرح سؤالها، حول الطريقة التي يمكنها من خلالها جعل الناس يصوتون لصالح الشوبكي. فهي تحاول الترويج للمرشحين الليبراليين مثله في إمبابة.

قام الشوبكي بضم السؤال ضمن باقي الأسئلة الأخرى التي ردّ عليها، دون أن يرد على سؤال الجندي حيث تعتقد أن الشوبكي لم يعرف الإجابة. وتقول الجندي: "من خلال الحديث مع المواطنين البسطاء، اكتشفت أن تفكيرهم محدود.

كنت أريد أن أنزل إلى مستوى تفكيرهم و أقنعهم دون أن أهاجمهم". وأضافت: "سألوني: ما هو العيب في الاخوان المسلمين؟ إنهم لن يسمحوا بالعري في شوارعنا. فماذا بوسعي أن أرد عليهم؟ فأنا مسلمة، ولا يمكنني أن أخالفهم الرأي في ذلك". ومضت الجندي تقول بنبرة بائسة أحياناً: "أحاول الحديث مع الناس وإقناعهم. وسوف أواصل المحاولة.