يهدد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إسرائيل، ليس لأن الفلسطينيين يرفضون إبرام صفقة سلام، كما يزعم اليمين الإسرائيلي، وإنما بسبب الدمار الذي يلحقه الاحتلال بالسياسة الداخلية لدولة إسرائيل، فمنذ عام 1967، عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، لعب وجودها في هاتين المنطقتين دورا مركزيا في بنية السياسة الإسرائيلية، الأمر الذي حول البلاد التي كانت فيما مضى مفعمة بالتفاؤل، إلى مكان موسوم بالقنوط والتعصب بشكل متزايد.
ولقد غذى الاحتلال قومية عرقية عدائية تمنح الامتيازات والحقوق لصالح اليهود في إسرائيل على حساب عرب الداخل، الذين أصبحوا يشعرون أنهم لن يعاملوا بأي حد من العدالة والإنصاف في ظل تعريف إسرائيل كدولة يهودية. وفي الوقت نفسه، فإن الاحتلال، من خلال شل النظام السياسي الإسرائيلي، عزز قوة الأحزاب السياسية المتدينة، التي استغلت الانقسامات بين اليمين واليسار لتصبح هي المؤثرة في إسرائيل، وفي مقابل دعمها في البرلمان، طالبت هذه الأحزاب بدعم اقتصادي لناخبيها، الذين يكرسون حياتهم في دراسة النصوص اليهودية غالبا، بدلا من المشاركة في طاقة العمل.
أما النخب المتعلمة ذات التوجهات العلمانية، فإنه نتيجة شعورها بالإحباط بسبب الأجور المتدنية والضرائب المرتفعة، لا زالت تهاجر بأعداد كبيرة إلى الخارج، وآفاق الحد من هجرة الأدمغة يبقى ضعيفا طالما استمر الاحتلال.
لكن تل أبيب لم تفقد كل شيء بعد، برأي الكاتب، فائتلاف وسطي حاكم بإمكانه وقف انزلاق إسرائيل نحو التوجهات المعادية لليبرالية، ويمنح مواطنيها العرب أملا في المساواة والعدالة، ويرغم المتدينين على كسب رزقهم بدلا من الاعتماد على الدولة، ويعطي الطبقة المتعلمة في إسرائيل سببا للبقاء فيها. وهذا ما يفترض ان تقوم به إسرائيل، كما يقول الكاتب، لإبقاء اقتصادها الناجح مزدهرا ولضمان نهوض ديمقراطيتها المليئة بالعيوب، لكن هذا الائتلاف سوف يبقى حلما بعيد المنال طالما بقي الاحتلال مهيمنا على السياسة الإسرائيلية.
توجهات يمينية
أولا، وقبل أي شيء، أشعل الاحتلال قومية عرقية دينية عدائية أصبحت بارزة بإطراد في السياسة الإسرائيلية. وعلى الرغم من ان وجود مستوى من المشاعر العرقية أمر لا مناص منه في إسرائيل، حيث إن نص "إعلان الاستقلال" لهذه الدولة يصفها "كدولة يهودية"، إلا ان مؤسسات الدولة المدنية كانت قد أصبحت أكثر مدنية بين عامي 1948 و 1967، مما غذى بروز هوية " إسرائيلية" تشمل كل مواطني إسرائيل. لكن حرب 1967 أعادت إشعال حلم ضم القدس ومناطق الضفة الغربية إلى إسرائيل، ومنذ ذلك الحين ازداد اعتناق اليهود في إسرائيل بشكل متزايد يهوديتهم على حساب الهوية الإسرائيلية المدنية.
وقد شكلت التوجهات العرقية المتنامية بين اليهود الإسرائيليين نتيجة للاحتلال، تهديدا للمواطنين العرب في إسرائيل، الذين باتوا يشكلون اليوم اكثر من 20% من سكان إسرائيل ويشعرون بعزلة متزايدة عن الدولة، وكانت البلديات العربية تتلقى دوما تمويلا اقل من نظيراتها اليهودية، كما كان المواطنون العرب متخلفين كثيرا في معدلات متوسط العمر المتوقع والإنجاز التعليمي وفرص العمل. وأخيرا، تفيد "مؤسسة النهوض بالمساواة المدنية" في إسرائيل بأن عدم المساواة الشاملة بين اليهود والعرب في الصحة والإسكان والتعليم والعمالة والرعاية الاجتماعية ازدادت بنسبة 4.3% خلال الفترة 2006 و2008.
وعلى مدى العقد الماضي، عانى المواطنون العرب من عدائية متزايدة من قبل الحكومة الإسرائيلية. وفي عام 2007، حذر رئيس الـ "شين بيت" من ان المواطنين العرب في إسرائيل اصبحوا يشكلون " تهديدا استراتيجيا". كذلك، منذ عام 2009، وضع أعضاء في الكنيست سيلا من مشاريع القوانين المعادية للعرب بما في ذلك قانونا يقضي بان يقسم كل المهاجرين الجدد على الولاء لإسرائيل كدولة يهودية، وقانون يحد من إحياء المواطنين العرب ذكرى النكبة، كما ينظر أخيرا في تخفيض مكانة اللغة العربية، التي اعتبرت لغة رسمية في إسرائيل منذ عام 1948.
وهذا التمييز ضد المواطنين العرب جاء على خلفية الانتفاضة الثانية وحملات إسرائيل العسكرية المتتالية، برأي الكاتب. وخلال العقد الماضي، أعرب قادة من المجتمعات العربية في إسرائيل مرارا عن تأييدهم الصريح للقضية الوطنية الفلسطينية، وشددوا على ان تعريف إسرائيل كدولة يهودية أمر غير مقبول بتاتا، واقترحوا رؤى بديلة، مثل إسرائيل" دولة لجميع مواطنيها"، أو دولة على أسس توافقية على مثال بلجيكا، أو دولة ثنائية القومية.
وقد أدت تركيبة من العوامل باليهود الإسرائيليين إلى التوجس من المواطنين العرب في إسرائيل. وحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها جامعة حيفا، فان 65% من اليهود الإسرائيليين بدءا من عام 2009، باتوا يرون المواطنين العرب اكثر إخلاصا للصراع الوطني الفلسطيني من إخلاصهم لإسرائيل، وأن ما يقارب 80% من الذين ادلوا بآرائهم قالوا إنهم يعتقدون بأن " القرارات حول طبيعة الدولة وحدودها" يفترض أن تحظى بموافقة أغلبية المواطنين اليهود فقط، وقد عارض أغلبيتهم إعطاء حقوق للمواطنين العرب في شراء أراض في إسرائيل، وأكثر من 30% رأوا وجوب حرمانهم حق التصويت.
ووجهات النظر تلك لا تعكس النفور اليهودي من العرب فحسب، وإنما تقلبات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فاستنادا إلى بيانات جامعة حيفا، كان الرفض اليهودي لحق المواطنة العربية في العيش في إسرائيل وحق التصويت في أدنى مستوياته في منتصف الثمانينات قبل الانتفاضة الأولى، وفي منتصف التسعينات في فترة مسار أوسلو للسلام.
ولا يأتي الأمر كمفاجأة، حيث أشارت استطلاعات الرأي نفسها، أنه في عام 2009، فضل حوالي 60% من المواطنين العرب في إسرائيل تعريف انفسهم بانهم " فلسطينيون" بدلا من " عرب إسرائيليين" ، في مقابل 50% فقط فعلوا ذلك في عام 2003. كما أن نسبة المواطنين العرب الذين يؤيدون "حق إسرائيل في الوجود داخل الخط الأخضر" كدولة يتعايش فيها العرب واليهود انخفضت من 66% في 2003 إلى مجرد 41% في عام 2008.
وفي عام 2009، اعتبر اكثر من نصف الذين أدلوا بأصواتهم أن إسرائيل دولة يهودية عنصرية بطبيعتها، وحوالي 75% وافقوا على استخدام كل الوسائل القانونية المتاحة لتحويل إسرائيل من دولة يهودية إلى دولة ثنائية القومية. وتشير بيانات جامعة حيفا، إلى ان وجهات النظر العربية هي، إلى حد كبير، نتاج للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث ازداد عدد الرافضين لحق إسرائيل في الوجود أربعة أضعاف عام 2009 عن عام 1995.
وطالما استمر الاحتلال في هيكلة الخطاب السياسي في إسرائيل، فان العلاقات بين المواطنين اليهود والعرب في إسرائيل سوف تبقى مشدودة إلى دوامة من عدم الثقة والاستفزاز المتبادلين، بحسب الكاتب، والمطالب الشرعية للمواطنين العرب بالحقوق والموارد المتساوية سوف تجري تنحيتها جانبا، أما التحديات السلمية لطبيعة إسرائيل اليهودية فسيستمر إلصاق التهم بها باعتبارها فعل خيانة. ولقد أعاق الاحتلال حوارا وطنيا مهما في إسرائيل حول كيفية قيام الدولة بالتفاوض على التوترات الكامنة في هوياتها العرقية والمدنية.
أعباء
ويساهم النمو السريع للمتزمتين الدينيين في التوجهات المعادية لليبرالية المتصاعد في إسرائيل. وقد وجدت جامعة حيفا أن مجموعة المتدينين "الحيراديم" تحتل مرتبة اقل من أي مجموعة يهودية في تأييدها للتعايش مع المواطنين العرب في إسرائيل.
لكن ما يشكل قلقا موازيا، هو التهديد الذي يشكله " الحيراديم" برأي الكاتب، لازدهار إسرائيل المستقبلي، فأحزاب هذه المجموعات استغلت تقليديا الانقسامات حول مستقبل أراضي إسرائيل لتصبح السياسة المؤثرة في إسرائيل، حيث تبيع دعمها لائتلافات حكومية ذات توجه يميني أو يساري، في مقابل الحصول على دعم هائل لمجتمعاتها.
وعلى الرغم من ان ناخبي مجموعات "الحيراديم" انتقلوا منذ زمن إلى اليمين، مما قلص من هذه المرونة الأيديولوجية، إلا أنهم لا زالوا يستأثرون بمكافآت كبيرة. فعبء "الحيراديم" على الاقتصاد الإسرائيلي هائل ويزداد تباعا، كما أن الدعم المقدم إليهم يعد احد أسباب ارتفاع عبء الضرائب على المواطنين الإسرائيليين، الأمر الذي يساهم في هجرة الأدمغة.
والإسرائيليون الذي يعيشون في أميركا غادروا إسرائيل ليس بسبب نقص الفرص البحثية، لكن بسبب كلفة المعيشة والضرائب المرتفعة والقوانين الحكومية المبالغ بها والمدارس الفقيرة والأوضاع الأمنية. ونظرا لأرجحية بقاء هذه العوامل، فإنه ليس هناك من سبب يحدو للاعتقاد بان هجرة الأدمغة ستتباطأ، وإذا ما استمرت سياسة إسرائيل في درب التوجهات العرقية، فإن الأدمغة في إسرائيل ستجد سببا إضافيا للمغادرة.
والاحتلال ليس السبب الوحيد لهجرة الأدمغة، لكنه يساهم في هذه المشكلة. وتحرير إسرائيل من عبء الاحتلال، برأي الكاتب، سوف يحسن أمن إسرائيل، ويضعف الموقع السياسي للحيراديم ويسمح للحكومات الإسرائيلية إعادة تركيز إنفاقها، ذلك أن سياسة الاحتلال، من خلال تغذية عملية هجرة الأدمغة، تضع ازدهار إسرائيل على المدى الطويل في خطر. غير أن ديمقراطية إسرائيل ستستمر في مواجهة عدد من المشكلات برأي الكاتب، وبالأخص بسبب التفاوت الكبير في الثروات وحالة عدم الاستقرار السياسي، لاسيما في ظل وجودها وسط دول عربية، ودول ترفض وجودها.
إنهاء الاحتلال
لكن الكاتب يؤكد أن إنهاء الاحتلال يسمح لإسرائيل بالتخلي عن دعمها للمستوطنين والحيراديم ويحرر مواردها لإعادة بناء شبكات حماية اجتماعية أدى تلاشيها إلى احتجاجات جماهيرية أخيرا، ويعطي إسرائيل بحسب زعمه الفرصة لدحض مزاعم النقاد الذي يقولون ان إسرائيل هي دولة عرقية، أو حتى دولة عنصرية غير قابلة للشفاء. ويرى أن إسرائيل لا يمكنها إنهاء احتلالها بمفردها، وأن سلام مستقر يتطلب شركاء فلسطينيين يمكنهم إقناع شعبهم القبول بالحدود المتفاوض عليها كحدود نهائية، والتخلي عن حلم العودة، والإقرار بان إسرائيل ليست دخيلة وإنما دولة لها وجود دائم.
حيث يقول إن القيادة الفلسطينية المطلوبة للقيام بذلك فشلت غالبا في ان تجسد نفسها، ومن جهة أخرى، فإن التزام إسرائيل بالسلام كثيرا ما كان فاترا. ويتعين على قادة إسرائيل من وجهة نظره، بذل المستحيل لإنهاء الصراع، ولضمان بقاء إسرائيل كما تصورها مؤسسوها.
