فرش السجاد الأحمر واستعراض حرس الشرف وأداء التحية العسكرية، هي في الغالب تقاليد لاستقبالزائري مصر من الساسة والملوك، لكن القاهرة خلال زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، استعدت لنوع من الاستقبال كما لو أنها تستعد لاستقبال نجم من نجوم "الروك"، فقد حياه الألوف في المطار مرددين هتافات مثل "أردوغان مسلم حقيقي وليس جبانا" و"تركيا ومصر يد واحدة"، وحمل كثيرون منهم صوره بصفته بطلهم.
والإدارة المؤقتة المحاصرة في القاهرة لم تكن بحاجة إلى توظيف الحشود دعما لأردوغان، فالزعيم التركي يحظى بشعبية على امتداد العالم العربي حقا. ولقد احتل المرتبة الأولى كأكثر القادة إثارة للإعجاب في العالم، في استطلاع للرأي بين العرب أجرته جامعة "مريلاند" بالتعاون مع مؤسسة "زغبي انترناشونال" في عام 2010، وارتفع رصيده منذ الربيع العربي، وفي الدول التي انتفض فيها الشباب ضد القادة المستبدين، قال كثيرون من هؤلاء الشباب إنهم يرون أردوغان مثالا للقائد.
ويدرك أي سياسي محنك كيف يغتنم اللحظة التاريخية، وكانت زيارته للقاهرة الخطوة الأولى لجولة ناجحة شملت كل دول شمال أفريقيا المحررة حديثا. وقد حظي بترحيب صاخب أيضا في تونس وطرابلس.
ثم آن الأوان لكي يتوج أردوغان نجاحاته على المسرح الدولي، وتحديدا في مجلس الأمن في نيويورك، عندما قام الرئيس الأميركي باراك أوباما بالإشادة به لما أظهره من "عظمة قيادة" في المنطقة، متجاهلا انتقادات أردوغان الأخيرة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ودبلوماسيته المشتعلة مع إسرائيل.
ويأمل أوباما ان تشبه الحكومات الجديدة المنبثقة من رماد الديكتاتوريات السابقة في العالم العربي، إلى حد بعيد، الصورة التي بناها رئيس الوزراء التركي لنفسه على مدى السنوات الثماني الماضية. فلقد رفع اردوغان سمعة تركيا الدولية عاليا، وكبح جماح العسكر، ومضى في سياسات اقتصادية ضاعفت نصيب الفرد من الدخل، واطلق مشاريع جديدة، ولعب دورا حافظ فيه على مواقف موالية للغرب إجمالا.
ويصح القول انه اظهر أيضا مواقف تنم عن تسلط فردي في بعض الأحيان، ضاربا بخصومه السياسيين عرض الحائط، وقاذفا بأعدائه في السجون، ومرهبا وسائل الإعلام. وكثير من المحللين السياسيين في تركيا والغرب تراودهم الشكوك حيال صدق رغبته في إعادة صياغة دستور للبلاد باعتبارها خطة للاستحواذ على المزيد من السلطات التنفيذية. لكن بالنسبة للمعجبين به، فإن هذه العيوب تزول وتذبل في مقابل النجاحات التي حققها، فتركيا الديمقراطية والصاعدة اقتصاديا والتي تحظى بالإعجاب عالميا، كما القوالب السياسية، لديها جاذبية لا تقاوم بالنسبة لأولئك الذين أزاحوا عقودا من الحكم الاستبدادي المفقر، وبالنسبة للغربيين القلقين مما قد يفعله أولئك الناس لاحقا.
لكن حسنة أردوغان العظمى بنظر محبيه، في العديد من دول الشرق الأوسط، ربما تكمن في أن النموذج التركي صاغه مسلم، هو أردوغان وحزبه "حزب العدالة والتنمية" التركي، الذي كان يحظى تقليديا بدعم الشرائح الدينية والمحافظة في البلاد، والذي كان ينظر إليه المتحجرون العلمانيون بكثير من الريبة.
وبالنسبة للإسلاميين العرب، يشكل نجاح تركيا إثباتا لهم أن بإمكانهم تحديث بلدانهم دون التخلي عن توجهاتهم الدينية. أما المعجبون الغربيون بأردوغان، فينظرون إلى الموضوع بنظرة معاكسة تماما، باعتباره الدليل على ان الإسلام السياسي ليس عدوا للحداثة بالضرورة. والحاجة لإثبات أن طريق أردوغان يؤدي إلى النجاح السياسي، يؤكده الفوز الكبير لحزبه في الانتخابات العامة الثالثة في يونيو الماضي.
وهناك سياسيون كثيرون في دول الربيع العربي يحاولون البروز على مثال الزعيم التركي. يقول عصام العريان أحد قادة حركة الإخوان المسلمين في مصر: "يرتدي أردوغان بزة رسمية، لكنه يصلي في الجامع، وهذا أمر يمكننا التماهي معه"، وهناك تأثير واضح يبرز في تسمية الذراع السياسية الجديدة لجماعة الإخوان المسلمين باسم حزب الحرية والعدالة. وكان عبد الحميد الجاسي وهو زعيم في حركة النهضة الإسلامية في تونس قد قال لمجلة "تايم" :"أردوغان يتكلم لغتنا وعندما يتكلم أردوغان، فنحن نصغي."
وحركة النهضة في تونس فازت بأكثرية كبيرة في الانتخابات الحرة الأولى، التي جرت في 23 أكتوبر الماضي تحضيرا لتشكيل جمعية عمومية تكتب دستوراً جديداً للبلاد. ويتوقع أن تحقق حركة الإخوان المسلمين نتائج مماثلة في الانتخابات المزمع إجراؤها في مصر.
أما في ليبيا، فمن غير المتوقع إجراء انتخابات إلا بعد منتصف السنة المقبلة، وهناك أيضا، فإن المجموعات الإسلامية يتوقع لها ان تشكل لاعبا مهما. والنموذج الذي سيستوحون منه يمكنه أن يغير نظرة العالم اليهم.
مشكلات صفر
وبالرغم من توجهاتها الإسلامية، مدت حكومة حزب العدالة التنمية يدها إلى إسرائيل، وطورت علاقتها مع سوريا، علما بأن الحكومات السابقة في أنقره كانت علاقاتها في افضل الأحوال باردة مع دمشق، وفتحت تركيا أيضا نافذة على جيرانها في البلقان وحول البحر الأسود وحتى على أرمينيا التي كانت على عداء تاريخي معها. وكل هذه الخطوات كانت متسقة مع مبدأ أردوغان ووزير خارجيته أحمد أوغلو الذي أطلق عليه "مشكلات صفر مع الجيران"، فتركيا ينبغي أن تحسن العلاقات مع كل الجيران وتبني أصدقاء جدد في العالم الأوسع نطاقا.
نجح هذا المبدأ في البداية، وبدأ اردوغان بتشكيل رابط وثيق مع الرئيس السوري بشار الأسد، حتى أنه دعاه إلى قضاء عطلة في تركيا. وأصبحت تركيا سريعا أفضل صديقة لإسرائيل، وخدم مبدأ "صفر مشكلات" طموح تركيا الاقتصادي. فأصحاب المشاريع الأتراك، بدفع من الحكومة، تمكنوا بسرعة من إقامة مشاريع وأعمال في الدول القريبة والبعيدة، وبالتحديد في أفريقيا. فانتشرت شركات الإنشاءات التركية بالتحديد في أنحاء الشرق الأوسط وإفريقيا واسيا، في تنافس مع الشركات الصينية.
وكانت هناك حالة من الازدهار داخل تركيا أيضا، فمنذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، وتراجع العجز في الميزانية بنسبة الثلثين. وقد ازداد الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي مضاعف 4.8% خلال الفترة 2002-2010، أي بنسبة تجاوزت معدلات نمو روسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية، وفي 2010، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لتركيا بنسبة 8.9% في مقابل زيادة في ناتج الاتحاد الأوروبي نسبتها 1.9%, وباتت تركيا الآن تحتل المرتبة 17 ضمن أكبر اقتصادات العالم، وتأتي وراء كوريا الجنوبية وإسبانيا وكندا.
ومن المتوقع أن يتباطآ النمو في تركيا هذه السنة، لكن بالمقارنة مع الأوضاع التي تمر بها القارة الأوروبية، فإن الصورة تبدو وردية.
مبدأ جديد
وأخيرا، جعل الربيع العربي مبدأ "صفر مشكلات" في وضع لا يمكن الدفاع عنه. وعلى الرغم من أن أردوغان كان متقدما عن قادة غربيين كثر في دعوة الرئيس المصري السابق حسني مبارك للتنحي في مواجهة الانتفاضة الشعبية، فإنه كان مترددا في إرسال الرسالة نفسها إلى الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.
فلدى تركيا مصالح مهمة في ليبيا. وقد رفض أردوغان في البداية الضغوط للانضمام إلى حملة "ناتو" ضد القذافي، وحافظ على علاقته مع الرئيس السوري بشار الأسد التي قال أنها تخوله إقناع الرئيس السوري بتطبيق الإصلاحات السياسية، لكن أردوغان بعد ذلك، غير رأيه.
ربما أطاح الانقطاع بين إسرائيل وسوريا بآمال أردوغان في أن يكون رجل سلام إقليمي، وقد عقد هذا الأمر الأوضاع بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت تأمل بإعادة رسم أوضاع المنطقة، ومما يزيد الأوضاع تعقيدا بالنسبة لأميركا وجود الحليفين الأقرب إليها في المنطقة، وهما تركيا وإسرائيل، على خصام.
إن تبعات الأحداث على تركيا غير واضحة، فخطاب أردوغان المعادي لإسرائيل يلقي استحسانا لدى القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية والجمهور العربي. لكن مواقفه الإقليمية أخيرا وموافقة تركيا في سبتمبر الماضي على تثبيت أنظمة رادارات ل "ناتو" جديدة لرصد الصواريخ، تشير إلى أن مبدأ صفر مشكلات لم يعد قائما.
مشكلات كثيرة
ومن المحتم أن التنافس على النفوذ في الشرق الأوسط سيكون شرسا. فهناك قوى تقليدية في المنطقة، وهناك أصابع أميركية وأوروبية أيضا، أما القادمون الجدد، مثل الصين والهند، فلديهما مـــصالح اقتصادية متزايدة في المنطقة، والمحافظة على تقدم تركيا في السباق في دول الربيع العربي، وهي احد اكبر المستثمرين في مصر وليبيا، سيكون أكثر صعوبة.
وإذا كانت هناك منافسة محتدمة في الخارج لتركيا، فانه بالنسبة لأردوغان، توجد مشكلات متصاعدة في الداخل. فالميول الفردية للحكم أصبحت اكثر جلاء منذ الفوز الانتخابي الساحق لحزب أردوغان في يونيو الماضي، ومع كل الرغبة في رؤية تركيا دولة حديثة تنعم بالحريات المساوية لأي بلد أوروبي، إلا أن حكومة أردوغان قامت باعتقال 68 صحافيا، متهمة إياهم بالتواطؤ في انقلابات عسكرية، ومعاملة أردوغان للأقلية الكردية في تركيا تتقلب بين الوعود بتسوية سياسية والقمع العسكري المعهود. ولقد انتشر العنف في الأشهر الأخيرة بعد سلسلة هجمات متبادلة بين حزب العمل الكردستاني والقوات التركية.
ويسخر سزجين طانري قولو، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب المعارض الرئيسي، من شعبية أردوغان الدولية، فيقول: " قبل ان ترفع تركيا كمثال للشرق الأوسط، يتعين عليها أولا حل صراعاتها الداخلية"، علما أن الصراع في محيط تركيا سيكون له تأثير على الاقتصاد التركي أيضا.
وعلى المسرح الداخلي، فإن تحدي أردوغان التالي يتمثل في إعادة كتابة الدستور في تركيا، والخوف من إزالة الطابع العلماني لتركيا يحل محله قلق متزايد من الدفع نحو تركيز السلطات التنفيذية في منصب الرئيس، ومن ثم سعي اردوغان إلى تولي هذا المنصب بنفسه.
والرئاسة التركية هي حاليا منصب فخري يتولاها حليف اردوغان القديم عبدالله غول. والأحاديث في إسطنبول تتحدث عن تبادل الرجلين الأدوار بعد إعادة كتابة الدستور، وهذا يطرح مقارنات لا مفر منها مع عملية تبادل السلطة بين رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في موسكو. وهذه تشكل شهادة على مدى التقدم الذي وصلت إليه صورة أردوغان، حيث نقاده باتوا قلقين من تحويله تركيا على المثال الروسي.
