عندما تنتابه الشكوك، يضع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون إيمانه في الشعب الأميركي، ويقول في مقابلة حصرية مع صحيفة تايمز اللندنية بمناسبة صدور كتابه بشأن إنقاذ الاقتصاد الأميركي: لا زلت اعتقد ان معظم الأميركيين غير مستعدين لأن نتخلى عن قيادتنا الاقتصادية، وعن قدرتنا على أن نكون قادة السلام والحرية في العالم.
ويطلق كلينتون في كتابه العودة إلى العمل، قائمة بأمنيات سياسته الديمقراطية الخاصة لعام 2012، ليس هذا فحسب، وإنما أيضا يشن هجوما مبطنا ومصاغا بأناقة على الرجل الذي أنهى طموح زوجته في البيت الأبيض.
ويقول انه قلق من أن يغذي الكتاب جولة جديدة من النقد لقيادة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بتركيز الانتباه على ما يعتبره بعث رسائل ضعيفة من البيت الأبيض وشيطنة غير ضرورية لوول ستريت.
وهو يزود هذا النقد بمادة دسمة من خلال تقديم رسالته لحملة الديمقراطيين في السنة المقبلة، فيقول: رسالتهم ينبغي أن تكون أننا نقف إلى جانب إعادة النمو الآن، وإيجاد حل طويل الأمد للدين بطريقة متوازنة، وهذه خطتنا للنمو الاقتصادي، أولا وثانيا وثالثا هلم جر ، ويضيف: هذا ما يفترض بهم القيام به.
إن عنصرا من خطته لاستعادة النمو يتمثل في اقتطاع دراماتيكي لنسبة 10% من ضريبة الشركات الأميركية، لكن هدفه سياسي اكثر مما هو اقتصادي، ويقول إنه يتعين على أوباما أن يسعى وراء ذلك باعتباره شيئا لا يستطيع الجمهوريون أن يرفضوه، ويوضح ذلك قائلا: ينبغي أن نعد الديمقراطيين والجهوريين للعمل سويا على شيء ما.
وما إن يشرعوا بذلك فعلا، فإنني أعتقد أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد يصل إلى مكان ما في تخطي العقبات المحددة في برنامج الوظائف.
وفي هذه الأثناء، فان برنامج الوظائف يعتبر ميتا لحظة وصوله إلى مجلس الشيوخ الجمهوري، ولقد فشل أوباما في تمرير أجزاء مكوناته، ولجأ إلى الهجوم على أغلبيه مجلس الشيوخ لتقاعسهم عن العمل، وهذا، يحذر كلينتون، قد لا يلبي طموحات أميركا بطبقتها الوسطى.
يضيف: ان الحزب الديمقراطي يجري انتخابه عندما تكون الأوضاع في حالة فوضى، لقد فزت في عام 1992، وأوباما فاز في عام 2008، لأن الناس كانوا يريدون إصلاح الأوضاع. وفي عام 1994 و2010 لم يشعروا بأن الأمور قد تم إصلاحها، لذا قرروا إعطاء الكونغرس إلى الحزب الآخر، والآن ينبغي النظر إلى كيفية جعل الأمور تسير جيدا.
ويقر كلينتون بان أوباما واجه أخطارا جديدة في مواجهته الأخيرة في الكونغرس، عندما اخذ الجمهوريون معدلات الدين الأميركي رهينة لاقتراع على رفع سقف الدين.
ويعترف أيضا بخطأ بسيط في كتابه، حيث يعبر عن حيرته حيال فشل أوباما في رفع سقف الدين خلال تلك الفترة العرجاء للكونغرس، عندما كان لا تزال لديه أغلبية في كلا المجلسين. ويقول ان الجمهوريين تحكموا بجدول الأعمال حتى في الفترة التي كان فيها رئيسا، وذلك بفضل قوة القرصنة لديهم في مجلس الشيوخ، حيث يقول كلينتون: كانت هذه غلطة اقترفتها.
النقد الأهم
نقد كلينتون الأهم لإدارة أوباما لم يتغير، حيث يقول: يمكننا إعادة تشكيل البلاد مجددا، ويمكننا استعادة موقعنا الاقتصادي، لكن ينبغي ان يكون لدينا نموذج غير أيديولوجي يركز اكثر على التعاون من تركيزه على الصراع.
وهذا النقد ينطبق بالتساوي على الجمهوريين، لكنه يحمل صدى غريبا لإحباط ستيف جوبز الأخير مع أوباما، باعتباره يقلق كثيرا حيال العقبات في وجه التقدم، ولا يقلق بما يكفي حيال التقدم نفسه.
وكلينتون يعتقد أن عشرات مراكز الازدهار في أميركا تؤمن المفتاح لخروج بلاده من ركودها المحبط الطويل، ويرى في وجود كتل من مئات شركات محاكاة الواقع بالكمبيوتر في أورلاندو بفلوريدا، التي تخدم كل من ديزني وورد ووزارة الدفاع الأميركية على حد سواء، أملا بحيث يصعب القول ان هذا الاقتصاد هو في وضع سيء.
وكان تجواله الدائم للتحدث عن قصص النجاحات الأميركية، والدور العالمي الذي صنعه لنفسه، قد أبقاه على صلة بالأحداث، ووضعه مجددا على الأرضية الأخلاقية التي خسرها بعد قضية مونيكا لوينسكي، وضمن له أن يكون تدخله في السياسات المحلية عبارة عن حدث مهم.
المستقبل الأميركي
يطرح كلينتون الأسئلة الآتية: ما نوع المستقبل الذي نريده؟ هل نريد بلادا باقتصاد قوي متين وحكومة قوية يعملان معا؟ أم حكومة ضعيفة وجماعات مصالح قوية تزدري بالازدهار المشترك، ويكسب فيها الفائز كل شيء؟
ويجيب على هذه الأسئلة قائلا: إذا كنا نريد مستقبلا من الازدهار المشترك، حيث تبقى أميركا القوة القائدة للسلام والازدهار في ظل عالم شديد التنافس، فإننا نحتاج إلى التحرك. إن ثلاثين عاما من السياسات المناهضة للتدخل الحكومي ذات القطبين أوجد حالة حادة من اضطراب نقص الانتباه الجماعي وفرط الحركة. ونحن لا نرغب في الاستماع أو التعلم من أناس يعارضوننا وجهة النظر، ونقلق من ان تكون افضل أيامنا قد أصبحت من الماضي.
ويشير كلينتون إلى أن هذا الأمر قد يكون صحيحا، لكنه ليس حتميا بالضرورة.
ويقول إن العالم يعيش في حالة من الفوضى الآن، فبعد سنوات من نمو الوظائف القوي، والمداخيل المرتفعة والدين المتضائل، تم التخلي عن طريق الازدهار المشترك الذي اثبت أهميته لصالح مضاعفة الأيديولوجية المناهضة للتدخل الحكومي من جديد.
ويقول: ندفع ثمن ذلك، وإذا اردنا إيقاف حالة التراجع، ينبغي علينا العودة إلى اللعبة مجددا. ولا يدعي كلينتون أنه يدرك ما ستكون عليه الأوضاع مستقبلا، لكنه يؤكد أن كل من راهن ضد الولايات المتحدة على مدى 200 سنة الماضية، قد خسر الرهان. ويضيف: كثيرون يراهنون ضدنا اليوم، وانا أراهن من جديد، في ظل عالم مختلف كليا، على أننا سنجد طريقنا مجددا لاتحاد اكثر كمالا.
