هل هناك فعلا مشكلة اصطفاف حادة في السياسة الأميركية بين جمهوريين انعطفوا كثيرا إلى اليمين وديمقراطيين انعطفوا كثيرا إلى اليسار.
الحقيقة أن الجمهوريين توجهوا فعلا كثيرا إلى اليمين، إلى الحد الذي أصبح يتعذر فيه التعرف على الحزب، ففي أعقاب رئاسة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، انجرت البلاد بمجملها في هذا الاتجاه، والديمقراطيون بالكاد كانوا محصنين أمام التيار الأيديولوجي الذي كان يسري تحت أقدامهم.
وفي السنوات التالية لمغادرة ريغان لمنصبه، أصبح الحزب الديمقراطي، وهو لم يكن جذريا قط، في وضع لا يمكن تمييزه عن أي حزب يميني وسطي أوروبي معتبر.
يقول بيل كلينتون في كتابه العودة إلى العمل، على سبيل المثال، إن زوجته العضو البارز في الفريق الاقتصادي خلال ولايته الأولى، كانت في الغرفة عندما كان يبذل جهده لصياغة الميزانية للمرة الأولى عام 1993، عندما تذمرت قائلة: أين هم الديمقراطيون؟ أصبحنا جميعا جمهوريون على مثال أيزنهاور الآن.
وفي خطابه أمام الأمة عام 1996، اعلن كما لو أنه تحمس لهذا التطور أن: حقبة الحكومة الكبيرة انتهت. وبالطبع، لكونه أحد الأعضاء المؤسسين لمجلس القيادة في الحزب الديمقراطي، وهو منظمة داخل الحزب تعمل على تصحيح التجاوزات الليبرالية للديمقراطيين، ربما يكون قصد ما قاله فعلا.
ومع الأخذ بعين الاعتبار هذا التاريخ، من غير المفاجئ أن يكون كتاب بيل كلينتون العودة إلى العمل: لماذا نحتاج إلى حكومة ذكية ليكون الاقتصاد قويا متواضعا جدا، ويفتقر إلى القوة المحفزة، وربما لن يكلف أحد نفسه عناء تأليف مثل هذا الكتاب إلا في دولة شطط حزبها المحافظ اسميا بعيدا عن السكة، فالكتاب يقدم نقاشا لصالح دور الحكومة المحدود وتصور شؤون البلاد الاقتصادية والاجتماعية.
وواقع أن نقيض هذه الأطروحة البديهية هي الفلسفة الفعلية المعلنة للحزب الجمهوري الآن، ينبغي أن يعطي فكرة عن مدى التشوه الذي وصل إليه المناخ السياسي في أميركا.
فلماذا ألف كلينتون مثل هذا الكتاب؟ قد يكون ذلك في محاولة لدفع نفسه إلى مسرح الأحداث مجددا، وهناك تفسيرات أخرى. فقد أعرب الرئيس الأسبق في خطابه أمام مشروع هاملتون السنة الماضية، في أعقاب الانتخابات النصفية التي برهنت على كونها كارثية للديمقراطيين، عن إحباط عميق حيال فشل الحزب ومرشحيه في صياغة حالة وطنية قوية مقنعة. وهذا الكتاب من الأرجح هو نتاج لهذا الإحباط الذي كان سياسيا بمجمله، وليس شخصيا.
وربما لهذا السبب، فان الكتاب خلا من أي إشارة إلى شخصية الرجل الحيوية، وعدا عن تذكير متكرر بنجاحات ولايته، يتسم الكتاب بغياب لبعض الشخصيات البارزة في لحظات مهمة.
فزوجته بالكاد هناك ذكر لها، على الرغم من أن هذا قد يمثل نوعا من اللباقة، حيث أن موقعها كوزيرة للخارجية يتطلب أزاحتها من الخلافات بين الحزبين، لكن الغياب الكامل لاسم آل غور، حتى في المقاطع التي تتناول مسألة البيئة، يثير الانتباه لكونه يتصف بموقف غير لائق ويفتقر للروح الكريمة.
أما إشاراته إلى الرئيس أوباما، على الرغم من كونها إيجابية عموما، فإنها ضئيلة نسبيا أيضا، وانتقاده الأهم له، والذي حصل على الاهتمام الأكبر للصحف في أميركا، يتعلق بفشل أوباما في ضمان تعهد من الجمهوريين برفع سقف الدين في مقابل تمديد اقتطاعات الضرائب العائدة لفترة بوش.
لكن كلينتون في ظهور علني في نيويورك أخيرا، سحب الانتقاد مقرا بأن الحقائق التي كانت لديه خاطئة. على العموم، يمكن القول إن الأمر الذي شكل التنافس الأهم لأوباما، هو وجود الكتاب بحد ذاته.
وفي أوساط عدة، في الداخل وعلى المستوى الدولي، يتمتع كلينتون بسمعة نجم روك في أوساط السياسيين، لكن من قضى وقتا كافيا في رفقته يدرك أن سمعته لا تستمد من الانفعال في أحاديثه، فهو لديه مخزون من الحكايات المسلية، لكن الموضوعين الوحيدين اللذين يشغلانه هما الرياضة والسياسة العامة. ولقد اصدر كتابا الآن يمكن أن يقال إنه يعكس بيل كلينتون الأصلي.
