تواجه الولايات المتحدة قرارات صعبة في الحرب الأفغانية-الباكستانية التي ما برحت تزداد ضراوة في الفترة التي تسبق عملية الانتهاء من نقل المسؤولية الأمنية، فأميركا تواجه ضغوطاً متزايدة في ميزانيتها في الوقت الذي تتجه الأوضاع في باكستان وأفغانستان إلى المزيد من عدم الاستقرار. وهناك تقارير تشير إلى أن أميركا على حافة الفشل الاستراتيجي في حربين، الحرب في العراق والحرب في أفغانستان- باكستان، لكن هذا الفشل قد لا يصل إلى حد الهزيمة في كلا البلدين.
وقد يبدو قيام كبار المسؤولين الأميركيين بمناقشة استراتيجية «قاتل وتحدث وابن»، وإيجادهم لانتقال ناجح في أفغانستان أمراً جيدا للغاية، لاسيما قبل إقدامهم وقوات التحالف التابعين لقوة «إيساف» بسحب جميع الجنود وإجراء اقتطاعات هائلة في تدفق المال الخارجي إلى أفغانستان.
لكن ينبغي على أميركا مع ذلك، تقديم خطة مفصلة يمكن الركون إليها لعملية الانتقال، تظهر أنها وحلفاءها بإمكانهما تحقيق نوع من الاستقرار في أفغانستان، حتى لو اقتربت النتيجة من نتائج الحرب العراقية.
وكثير من التحركات الأميركية بدت أخيرا أشبه بغطاء لاستراتيجية خروج من أفغانستان، وأميركا لم تقدم أي أهداف ذات مصداقية للحلول الاستراتيجية التي تريدها في باكستان، أو أي أهداف على الإطلاق. وإذا لم تضاعف أميركا جهودها لإظهار قدرتها على تطبيق عملية انتقال تؤدي إلى منافع استراتيجية دائمة في أفغانستان وباكستان بعد عام 2014، فإن أميركا على الأرجح سوف تكرر مأساة انسحابها من فيتنام.
السؤال الجوهري
والسؤال الجوهري الآن هو ما إذا كان بإمكان أميركا تقليص حجم فشلها الاستراتيجي. هل بإمكانها الانتقال من المفاهيم والخطابات إلى العمل مع حلفائها، وكل من أفغانستان وباكستان لوضع خطة انتقال تتمتع بمصداقية وتشمل دعم الكونغرس والشعب الأميركي وتمويلهما؟ هل بإمكانها فعلا تطبيق مثل هذه الخطة الانتقالية بالفعالية التي لا زالت تنقص جهودها في العراق وأفغانستان إلى اليوم؟
ان نوعا من النجاح أو الفشل المحدود لا زال ممكنا، لكن تحليل الوقائع يشير إلى انه لا يوجد إلى الان، في كل ما قالته الحكومة الأميركية، ما يزيد من احتمال حصول هذا، والتقدم المحرز الذي أشارت إليه التقارير الأميركية، في معظمه، قد يكون مضللا. وهناك أربعة مجالات حساسة يبدو من غير المرجح إحراز مستوى من النجاح المستديم فيها:
*الفشل الاستراتيجي؟ لم تظهر أميركا مقدرة على جلب ما يكفي من العناصر المطلوبة لفرض الأمن والاستقرار في أفغانستان، بشكل يولد اكثر من مجرد احتمال بسيط بأن أفغانستان ستقوم بعملية انتقال ناجحة حتى حلول 2014 أو في المستقبل القريب. ولم تعلن أميركا عن خطط استراتيجية أو أهداف محددة واضحة حيال باكستان، على الرغم من ان لباكستان أهمية استراتيجية أكبر من أفغانستان.
*التحدث دون أمل: لا زال الوضع غامضا حول ما إذا كان فصيل رئيسي بين المتمردين في أفغانستان يشعر بالخسارة أو بعدم القدرة على انتظار انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف. ولم يتضح أيضا ما إذا كانت باكستان ستحاول جديا، في يوم من الأيام، إزالة ملاجئ المتمردين على حدودها، وإذا ما اختار المتمردون التفاوض.
فإن هذا قد تكون أسبابه أنهم باتوا يشعرون بأن كلا من أميركا وحلفائها وحكومة جمهورية أفغانستان الإسلامية قد أصبح ضعيفاً جدا، بحيث اصبح بإمكانهم استخدام الدبلوماسية كوسيلة من وسائل الحرب وتسريع فوزهم من خلال استخدام الخداع والحصول على تنازلات من هذه الأطراف. وكان قد سبق لهم استخدام تكتيكات شبيهة في إقليم هلمند وباكستان ونيبال وكمبوديا، مما يطرح محاذير من أن «التحدث» قد لا تكون له وظيفة أخرى إلا التغطية على الخروج.
النجاح التكتيكي
*النجاح التكتيكي؟ ان المكاسب الحقيقية التي احرزتها كل من أميركا و»إيساف» في الجنوب الأفغاني، قد يتعذر الحفاظ عليها إذا ما نقلت أميركا قواتها شرقا، كما أن السرعة التي تمضي بها أميركا و»إيساف» في تقليص قواتها تطرح شكوكا حول إمكانية تحقيق الأهداف التي وضعتها «إيساف» لعام 2012.
وعملية تطوير القوات الأمنية الوطنية الأفغانية يجري الدفع بها قدما في الوقت الذي يجري اقتطاع الموارد المستقبلية لها، ومن غير الواضح أن المتمردين غير قادرين على انتظار أميركا و»إيساف» إلى حين خروجهما، للفوز بحرب استنزاف سياسية من دون الفوز بمعارك تكتيكية في الميدان، وتركيز «إيساف» على أعمال العنف الكبيرة هو نهج مشكوك فيه لتقييم التقدم التكتيكي والاستراتيجي المحرز، كما أن نقل المسؤولية الأمنية إلى القوات الأفغانية لم يتعد كونه إجراء رمزياً على المستوى السياسي.
*أنفق لا تبن؟ ان تقارير وزارة الدفاع الأميركية لا تشير إلى جهود أميركا و»إيساف» في تحسين نوعية الحكومة وحكم القانون والديمقراطية الممثلة لفئات الشعب والتنمية الاقتصادية في أفغانستان، وبذلها المستوى المطلوب من التقدم، إلا لماماً. وهذا يشكل إشعارا بأن أفغانستان والحكومة الأفغانية يمكن ان يواجها ركودا هائلا بعد قطع التمويل عنهما، في حين أن أحلام الإيرادات من عمليات التعدين و»طريق الحرير الجديد» ليست إلا أمالاً بالنجاح وليست توقعات ذات مصداقية.
ومرة أخرى، فان التقدم الفعلي الذي تم احرازه بتطوير القوات الأمنية الأفغانية يخطو خطوات سريعة، في الوقت الذي يتم فيه قطع التمويل المستقبلي عنه، وليس واضحاً ما إذا كانت المكاسب الحالية ستدوم، أو ان أميركا ستحظى بالوقت الكافي لإيجاد إجابات عن هذه الأسئلة، وبناء دعم محلي لها من الكونغرس والتحالف، ومن ثم البدء بتطبيقها.
وأميركا تدخل الآن في السنة الحادية عشرة للحرب، التي يبدو أن لا خطة ولا أهداف استراتيجية واضحة لها، أما الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأميركي باراك أوباما لعام 2009، فإنها باتت في حالة يرثى لها. ولا توجد في الأفق علاقات مستقرة مع باكستان، أو إحراز مزيد من الدعم من باكستان. وحكومة الرئيس الأفغاني، حامد قرضاي.
بالكاد تستطيع القيام بوظائفها، وينبغي إجراء انتخابات جديدة في عام 2014، وهي السنة التي يفترض فيها أن تغادر القوات المقاتلة. وتتراجع أعداد الجنود الأميركيين وجنود الحلفاء إلى مستويات حرجة، ولا أحد يعلم شكل الوجود الأجنبي، هذا في حال كان هناك من وجود بعد 2014.
والتقدم المحرز في إيجاد جيش أفغاني، يجري من دون وجود دولة أفغانية يفترض حمايتها، والقوات الأمنية الأفغانية قد تتشتت في المستقبل، وهناك تقدم أقل بكثير في الجهود المبذولة لإيجاد جهازي الشرطة والقضاء.
كما أن المساعدات الهائلة إلى أفغانستان جاءت نتائجها الملموسة ضئيلة. والأرجح أن الاقتصاد الأفغاني سيذهب إلى الركود في 2014 في وجه الاقتطاعات الهائلة في المساعدات والإنفاق، الأمر الذي سيشل الاقتصاد وعمل القوات الأفغانية.
المصداقية والعمق
ولقد آن الأوان لمواجهة إدارة أوباما هذه القضايا بمصداقية وعمق. وتحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى خطة انتقال لأفغانستان، وهذه الخطة إما تؤمن طريقة للبقاء يمكن الركون إليها، بتكاليف مقبولة وآفاق تعد بالنصر، وإما تؤمن خطة للخروج تأخذ بعين الاعتبار، على أقل تقدير، حوالي 30 مليون أفغاني ودور أميركا المستقبلي في المنطقة، على أن تجري دراسة وضع أفغانستان بعد مغادرة القوات الأميركية، والنهج الطويل الأمد التي يفترض أن تمضي به أميركا في مواجهة باكستان التي تسير بثبات إلى حالة من الانقسام المتزايد وعدم الاستقرار.
وهذا يعني وضع خطة انتقال مفصلة لأميركا تحدد كيفية التخلص التدريجي من الجهود العسكرية والمدنية، والخطوات التي ينبغي أن تمضي بها لضمان عملية انتقال مستقرة حتى نهاية 2014، مع تقدير واضح للتكاليف المحتملة.
فأميركا تحتاج إلى خطة عمل ذات مغزى يمكن أن يناقشها الكونغرس ووسائل الإعلام والخبراء في المنطقة والشعب الأميركي ويلتزمون بدعمها. وإذا كان الرئيس أوباما عاجزا عن تأمين مثل هذه الخطة خلال شهور، وكسب الدعم الكافي لتطبيقها، فإن أي امل بالوصول إلى نجاح دائم في الحرب سوف يتبخر.
لكن حتى لو نشطت أميركا في العمل على مثل هذه الخطة وأمنت الموارد الضرورية لها، فإنها قد لا تنجح، وقد تصبح باكستان تدريجيا أقل استقرارا بمعزل عن المساعدات والتحركات الأميركية في أفغانستان، علما أن أي «استراتيجية للخروج» بحكم الأمر الواقع، ستجعل هذا المستقبل حتميا.
