احتشد المصريون منذ الصباح الباكر أمام صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، في إطار المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، وسط أجواء من الحماسة والصبر، رغم أن بعض الطوابير كانت تمتد إلى مسافة نصف ميل أو ربما ثلاثة أرباع من الميل. وهذا أمر من شأنه أن يجعل أي دولة أوروبية تشعر بالخجل. فقد ولّت ثقافة التصويت القديمة الفاسدة التي امتدت لنحو نصف قرن، ولم يكن هناك من هو مصدر تخويف للرجال والنساء الذين وصلوا إلى مقار اللجان لاختيار مرشحيهم.
الإخوان المسلمون يتملقون الجيش الذي لا يزال يعتقد أنه يستطيع إدارة البلاد من دون أن يكون خاضعاً للرقابة البرلمانية. وهذا البرلمان الذي خرج الملايين من المصريين للتصويت من أجله، وسوف يواصلون التصويت في المرحلتين الثانية والثالثة، لن يكون قادراً على تشكيل حكومة أو يختار وزراء. فهل هذا يعد تحولاً حقيقيا؟ وهل يعتقد المشير طنطاوي ورئيس الوزراء المكلّف كمال الجنزوري أن بإمكانهما السيطرة على مكان الرئيس السابق؟
البرلمان المقبل
هل الانتخابات، التي انطلقت مرحلتها الأولى، أخيراً، تعتبر انتخابات حقيقية لمرشحين حقيقيين لن تكون لديهم سلطة؟ ليس هناك شكّ بشأن كون البرلمان المقبل في مصر برلماناً إخوانياً. وربما يسمّي الأخوان أنفسهم حزب الحرية العدالة.
أو أنهم سوف يحتاجون إلى تكوين ائتلاف من أجل الحكم، لكن العلمانية في مصر تلقت ضربة قوية بعد أحداث ثورة يناير ـ فبراير الماضيين. والثورة لا تزال قائمة، بغض النظر عن قلة حشود المحتجين في التحرير، ولم تعرض صور الشهداء الذين سقطوا في نوفمبر بشكل واضح. وخفتت الأصوات المطالبة بمقاطعة صناديق الاقتراع بشكل طبيعي.
ومازال الجدار الذي بنته القوات المسلحة لحماية وزارة الداخلية قائماً، وهو سور يبدو كحائط المبكى أكثر منه جداراً عازلاً كالذي بني في الضفة الغربية، مشيداً من حجارة ضخمة أكثر مما هو مشيّد من خرسانة عازلة. ومثل هذه الأسوار بنيت لتدوم أسابيع أكثر مما كان يستهدفه من بنوها. ولماذا يتم اعتبار مبنى وزارة الداخلية بهذه الأهمية ؟
هل لأن القائمين بالتعذيب لا يزالون بداخله؟ الرجال الذين مارسوا أبشع أنواع التعذيب خلال فترة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، فضلا عن المعارضين الروتينيين خلال فترة مبارك؟ أم لأن الملفات لا تزال هناك، تمثل أدلة مرعبة على التعاون بين واشنطن والقاهرة خلال «الحرب على الإرهاب»؟ لا سبيل لأي سياسي فضولي، رغم أن انتخابه تم بشرف، لأن يقترب من هذا المكان.
وأين هم البلطجية، هؤلاء الأشخاص المدمنون، الذين كانت تتم الاستعانة بهم من جانب الشرطة لقمع وتخويف المحتجين، والذين يظهرون مرة أخرى في شوارع القاهرة، بأيديهم عصي من الحديد؟ إنهم يظهرون بين رجال الشرطة ويختفون بعد ذلك، وهم بمثابة الطابور الخامس للمشير طنطاوي، فقد اختفوا من الوجود فجأة، حيث كانت وحشيتهم تليها دائما عبارات الأسف من جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومزاعم مألوفة بوجود يد «أجنبية».
روح الدعابة
انتشر الجنود من الشرطة والجيش في الشوارع خلال المرحلة الأولى من الانتخابات، ومضوا يجلسون في سياراتهم وهم يدخنون ويتجاهلون طوابير تصطف خارج مراكز الاقتراع. وتم خرق الحظر الذي فرض على حملات الدعاية الانتخابية قبل 24 ساعة من الانتخابات، حيث ظل أنصار حزب الوفد يوزعون كتيبات الدعاية على الناخبين، وتأخر وصول أوراق الاقتراع والحبر إلى مراكز الاقتراع.
لكن لا أحد يشكو من ذلك. في الواقع سادت روح الدعابة تقريباً حول المسألة برمتها. وانطلق البعض إلى ميدان التحرير يعتمرون قبعات تحمل الأعلام المصرية، مكتوب عليها كلمة «صوتك». فقد كان ذلك من قبيل حث المتظاهرين على التصويت.
قابلت البعض الذين أصروا على أن المشير طنطاوي وزملاءه من القادة في المجلس العسكري المؤلف من 18 شخصاً لا يتمتعون بحنكة الحكم، وهو ادعاء مشكوك فيه اذا وجد. فيما أمسك أحدهم بنسخة من صحيفة معارضة تسمى «الأحزاب» عليها صور لقرينة الرئيس المصري السابق سوزان مبارك مع رئيس الوزراء المكلف كمال الجنزوري في احدى الصفحات، وهو يقول لي بنبرة أسف: «كانت تسيطر عليه، ولا تزال تسيطر عليه». فلا انتخابات مكتملة دون مؤامرة.
