تتمتع مصر بتاريخ طويل وحافل، لكنها ربما تسطر الآن الفصل الأكثر أهمية في تاريخها. فالعديد من الناخبين الذين خرجوا، أخيراً، للإدلاء بأصواتهم في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية يرون أن أهمية الانتخابات لا تكمن في من يفوز أو يخسر. ففي الواقع، لن يتم تحديد التكوين الدقيق للبرلمان الجديد بشكل جيد قبل عام 2012. الاختبار الحقيقي للانتخابات المصرية يكمن في قدرتها على الاستمرار، وفي مصداقيتها. فهل ستكون مقياسا مشروعاً للإرادة الشعبية والمساعدة على إنشاء الاستقرار الديمقراطي؟
إن مصر بحاجة لمراقبة نتائج هذه الانتخابات حتى النهاية. فلن تأتي النتيجة سريعاً. ولن يكون هناك عد تنازلي على غرار الطريقة المتبعة في الولايات المتحدة حتى إغلاق صناديق الاقتراع. من الضروري أن تحتفظ الانتخابات، التي تجري خلال الفترة الحالية، وحتى يناير المقبل، بزخمها وعدم فقدان المصداقية أثناء انتقالها من جولة إلى أخرى ومن محافظة لأخرى. فسوف تجري الانتخابات على مدى ستة أسابيع، في تسع محافظات فقط بكل مرحلة، من أصل 27 محافظة.
اختبار صعب
ستكون الانتخابات، بالتأكيد، اختباراً لصبر المصريين وقدرة القوى السياسية على التوافق والاندماج، ذلك أن المبدأ الرئيسي هو الشرعية، فلا يزال المصريون منقسمين إزاء كيفية المضي قدماً في هذه الأوقات المضطربة، دون الحاجة إلى حكم عسكري أو اللجوء إلى التواجد المستمر في ميدان التحرير من خلال الاعتصامات، فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى مقاليد الحكم المؤقت في مصر بعد سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك يستفيد من تلك المشاعر المختلطة، ويفرض مطالبه، وفي الواقع، فقد حذرت منظمات حقوق الإنسان وناشطون سياسيون من أن المجلس العسكري يحتكر الشرعية على نحو غير شرعي.
والحجة التي يقيمها المجلس العسكري تفيد بأنه في ظل عدم وجود كيان يمكن أن يتسلم السلطة في البلاد، فإنه يمثل الهيئة الشرعية الوحيدة لصنع القرار في مصر، وبالتالي فهو المخول بسن القوانين بموجب التكليف، لكن التزام المجلس منذ البداية بالديمقراطية والمبادئ التي يطالب بها المتظاهرون في ميدان التحرير يبدو أنها سرعان ما تهاوى.
وعلى الرغم من ادعاء المجلس العسكري بأنه يحمي الثورة، فقد رفض العديد من مطالب التحرير، بما في ذلك إنهاء المحاكمات العسكرية للمدنيين. وفي مؤتمر صحافي عقد عشية الانتخابات، قال المجلس: «إن مصر ليست ميدان التحرير». لكن المحتجين يواصلون التظاهر مرة أخرى لدرجة تجعلهم أقوياء كقوة الجيش، فهو يجادل حول أن تجاهل إرادة التحرير هو أمر محفوف بالمخاطر.
إذا كان هناك شيء قد أثبتته الثورة المصرية فهو أن المصريين لا يخشون الحكام وسيواجهونهم إذا لم ينجزوا ما هو مطلوب.
البديل ضروري
فلو استطاع المصريون مواجهة عواصف عدم الاستقرار المصاحبة لهذه الانتخابات، بما في ذلك التحديات القانونية والنزاعات والصدمات الكامنة في تشكيل التحالفات والمناورات السياسية، فإن الكثير من الناخبين سيأملون بأن يروا بروز مؤسسة وطنية مشروعة، بوصفها بديلاً عن المجلس العسكري وسيادة الشوارع. فلو تم تعيين مشرّع بتفويض من الشعب.
فإن القوى السياسية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، يعتقدون أن احتكار المجلس العسكري للشرعية سوف يضعف بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، سوف ينشأ مجال للمجادلة، ورسم مسار لمستقبل البلاد، خارج ميدان التحرير، ولكنه سيكون أكثر تمثيلاً لإرادة الشعب المصري.
وسوف يكون السؤال المطروح حينئذ، هو ما إذا كان هذا البرلمان سيكون قادراً على تحديد دوره في مصر الجديدة. يعترف النشطاء الليبراليون بأن الإخوان المسلمين، من خلال حزب الحرية والعدالة، من المرجح أن يصبحوا القوة المهيمنة في البرلمان المقبل. وسيفشل المجلس حينها في فرض نفسه كنقطة ارتكاز للسلطة السياسية. وفي الواقع، لو اعتبر البرلمان موالياً للمجلس العسكري، فإن جماعة الإخوان نفسها من المرجح أن تعرض صورتها للتشويه. لكن وجود برلمان قوي سيكون محل ترحيب.
