أثارت الهجمات التي شنتها وكالة المخابرات الأميركية "سي آي إيه"، أخيراً، باستخدام الطائرات الموجهة عن بعُد، وأودت بحياة عدد من الضحايا المدنيين في وزيرستان بباكستان، موجة من الغضب لدى الرأي العام الأميركي. فقد أضافت تلك الهجمات إلى عدد الضحايا الباكستانيين ليرتفع إلى 2300 قتيل بينهم 175 طفلاً.

وذلك نتيجة صواريخ أطلقتها طائرات موجهة عن بعد من طراز "بريديتور" و "ريبر" تم توجيهها من قاعدة لانغلي في فرجينيا بالولايات المتحدة، وذلك وفقاً لإحصاءات مكتب الصحافة الاستقصائية. وكان من بين الضحايا طفلان، هما طارق عزيز البالغ من العمر 16 عاماً، وابن عمه وحيد خان وكان في الثانية عشرة من عمره.

 

تساؤلات

القرار النهائي بشن هذه الهجمات وقّع عليه ستيفن بريستون، المستشار العام في مقار وكالة "سي آي إيه". فما هو دليل الاتهام الذي يحمله بريستون ضد عزيز وخان؟ وما هو الحق الذي لديه لينصب نفسه قاضياً ومحكماً ومنفذاً لحكم الإعدام ضد أطفال لا يزالون في سن المراهقة، ولم يلتق بهم بنفسه ولا أحد من طاقم العمل لديه، ناهيك عن الاستجواب أو إعطاء الفرصة لتقديم شهود؟

لا يزال هناك متسع من الوقت للدعوة إلى ملاحقة ومحاكمة كل من قام بتنفيذ الهجمات، وكذلك المسؤولين في الحكومة الأميركية الذين أصدروا الأمر، المتمثلين في بريستون والرئيس الأميركي باراك أوباما. هناك الكثير ممن يمكن أن يمثلوا كشهود في هذه المحاكمة.

فقد التقينا نحن المراسلون وعدد من المحامين البريطانيين والأميركيين والباكستانيين مع عزيز وخان وعدد من الضحايا من شمال وزيرستان قبل الهجمات بأيام في أحد الفنادق في العاصمة الباكستانية إسلام أباد. وتبادلنا الحديث عن فرق كرة القدم المحلية التي يشجعونها، والتي تمت تسميتها بأسماء منتخبات البرازيل ونيوزيلندا ودول أخرى سمعوا عنها، ولكن لم يزوروها قط.

في صباح اليوم التالي، قمنا بتصوير عزيز وهو يسير في قاعة المؤتمرات لاستقبال شيوخ القرية. وبعد مقتله قمنا بمراجعة الشريط لمعرفة ما تم تسجيله خلال اللحظات الأخيرة من حياته، حيث ظهر في التسجيل وهو يمشي باستحياء ويلقي التحية بالنمط التقليدي على شيوخ وزيرستان من خلال ملامسة صدورهم على نحو لطيف.

ويسير مع أصدقائه باتجاه مجموعة من المقاعد نحو الجزء الخلفي من القاعة، يتنافسون لفترة وجيزة حول المكان الذي سيجلس عليه كل واحد منهم. وعلى مدار الصباح، يظهر عزيز مرة أخرى في العديد من الصور الفوتوغرافية مع العشرات من الحاضرين الذي كانوا يجلسون دائما بهدوء، وينصتون باهتمام.

كان عزيز يحضر مؤتمر "لويا وزيرستان الكبرى" نيابة عن ضحايا غارات الطائرات الموجهة عن بعد في باكستان، الذي عقد في فندق مارغالا في باكستان في اليوم التالي. وكما هي العادة بين قبيلة البشتون.

فإن الشباب الذين فقد كل واحد منهم صديقاً أو قريباً في هذه الغارات، لم يتكلموا في المؤتمر. وعلى امتداد أربع ساعات، ناقش شيوخ وزيرستان الحرب التي يتم شنها باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد، وبعد ذلك استمعوا إلى قرار يدين الهجمات، تلاه ميرزا شهزاد أكبر وهو محام من "مؤسسة الحقوق الأساسية"، حيث صوتت المجموعة لصالح هذا القرار بالإجماع.

جلس "نيل وليامز"، وهو متطوع من جمعية "ريبريف" الخيرية القانونية في بريطانيا، مع عزيز وتجاذب معه أطراف الحديث بعد انتهاء مؤتمر اللويا. انتقل الاثنان في سيارة إلى مقر البرلمان الباكستاني للمشاركة في مظاهرة احتجاج ضد هجمات الطائرات الموجهة عن بعُد، تزعمها لاعب الكريكيت الباكستاني السابق عمران خان، وهو الآن زعيم حزب "تحريك وإنصاف". في اليوم التالي ، عادت المجموعة إلى وزيرستان، وبعد ذلك بيوم، قتل عزيز.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن يأتي إرهابي مشتبه به إلى اجتماع علني ويتحدث علناً مع محامين وصحافيين أجانب، ويسمح بأن يتم تصويره وإجراء مقابلة معه؟ الأهم من ذلك هو أنه منذ أن كان عزيز موجوداً بكل سهولة، فلماذا لم يتم اعتقاله في إسلام آباد عندما أمضى 48 ساعة هناك؟ فلم يكن لدى عزيز ولا المحامين الذين حضروا هذا الاجتماع معه عناصر أمن خاص على مستوى عالٍ من التدريب بحيث يمكن أن تقاوم.

وكان من بين الحضور في اجتماع "اللويا" محاميان أميركيان هما كلايف ستافورد سميث وتارا موراي، اللذان تلقيا تدريبات في جامعتي كولومبيا وهارفارد. فقد قالا لي بشكل لا لبس فيه إن القانون الأميركي يستند إلى حقيقة أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. فلماذا لم تتح فرصة لعزيز، حتى لو كان إرهابيا مشتبها به، للدفاع عن نفسه؟

 

سجل من الأخطاء

ولنعرض حجة بديلة مهمة، وهي أن حكومة الولايات المتحدة لديها سجل من الأخطاء الفظيعة في هذه الحرب السرية. ففي الثاني من ديسمبر 2010، أعلنت قوة المساعدة الأمنية الدولية في افغانستان أنها قتلت محمد أمين، نائب حاكم إقليم تخار الموالي لطالبان في أفغانستان، في هجوم بطائرة موجهة عن بُعد. وكانت هناك مشكلة واحدة، تمثلت أن مايكل سمبل وهو خبير في شؤون طالبان بجامعة هارفارد، أجرى مقابلة بعد ذلك مع محمد أمين، وأكد أنه كان على قيد الحياة وبصحة جيدة ويعيش في باكستان في مارس 2011.

وكان الرجل الذي قتل هو زابت أمان الله، الذي شارك في حملة للانتخابات البرلمانية، مع تسعة من زملائه العاملين في حملته. وقد تم تأكيد ذلك من خلال بحث شامل أجرته كيت كلارك، مراسلة شبكة "بي بي سي" السابقة في كابول، وتعمل حالياً لدى شبكة "محللي أفغانستان".

حيث كانت قد التقت مع أمان الله في عام 2008. كان من الممكن تجنب هذا الخطأ، على حد وصف كلارك في تقرير لها، لو كان ضباط المخابرات العسكرية الأميركية "تابعوا تغطية الانتخابات على شاشات التلفزيون"، بدلاً من العيش في "العالم الموازي" البعيد عن عالم الحياة اليومية الطبيعي في السياسة الأفغانية.

وإذا كانت استخبارات باراك أوباما تؤمن بالعدالة و بالإجراءات القضائية، لكان مسؤولوها قد حضروا اجتماع "اللويا" في إسلام آباد والتقوا بطارق عزيز. فقد كان الاجتماع لقاءً مفتوحاً. ولكان بإمكانهم اعتقال عزيز واتهامه وذلك بمساعدة الشرطة الباكستانية. ولو تم التصعيد ضد مقتل عزيز، فإن كل من التقوا به في مناسبات عدة، أخيراً، سيكونون سعداء بالشهادة لصالح هذا الشاب. ولكن اذا كانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية لديها أدلة تثبت عكس ذلك، فلابد من تقديمها للعالم.