القواعد الجديدة التي وضعتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية لشن هجماتها غير القانونية بطائرات موجهة عن بُعد في باكستان لا تمثل أي تراجع لمغامراتها المتغطرسة ضد دولة مستقلة ذات سيادة.
كما وصفته وسائل إعلام أميركية. يعكس ذلك الخلافات المحتدمة بين الأجهزة الأميركية، وتحديداً يعد انتصاراً من نوع ما لمذهب "القوة الذكية" الذي تؤمن به وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. ومن أجل تعزيز مصالح الولايات المتحدة في الخارج، فقد كانت تضغط من أجل تقليل الاعتماد على القوة الغاشمة، والمزيد من الاعتماد على مبادرات الدعم الدبلوماسي والتنموي، مع الدور المحوري الذي تلعبه وزارة الخارجية الأميركية في مجال السياسة الخارجية الأميركية برمتها.
ومن خلال استخدام مكانتها البارزة ونفوذها، فقد انتزعت بالفعل مكانة محورية لوزارة الخارجية الأميركية في التعامل مع العراق بعد انسحاب جميع القوات الأميركية بحلول نهاية العام الجاري. ويظهر الهجوم الجديد الذي شنته وكالة المخابرات المركزية الأميركية بالطائرات الموجّهة عن بعد، أن كلينتون ضمنت صوتاً أكثر حسماً لوزارتها في إدارة الهجمات. ولكن هل يحمل ذلك أي أهمية أو ترضية حقيقية لهذه الدولة، التي انتهكت سيادتها وحرمة أراضيها بوقاحة من قبل هذا الجهاز ذي القوة العظمى في التجسس.
والتي يتم قتل وتشويه المدنيين الأبرياء بها من خلال هذه الهجمات غير القانونية باستخدام طائرات موجهة عن بعد بشكل مأساوي إلى هذا الحد؟ لا يوجد عاقل يقبل بهذا. ربما استثمرت هذه القواعد الجديدة لوكالة "سي آي إيه" وزارة الخارجية من خلال اتخاذ قرار الهجوم. وربما تكون تلك القواعد قد نصت أيضاً على إصدار تحذير مسبق للسلطات الباكستانية من الهجمات.
إذاً، فسوف يستمر التعدي مع الإفلات من العقاب. الأمر المثير للرثاء هو أن عمليات ذبح الأبرياء لدينا، بمن فيهم أطفالنا ونساؤنا سوف يتواصل بابتهاج. سواء كانت "القوة الذكية" أو "القوة الشرسة"، فالأمر سواء.
من يهتم
إن ذبح أطفالنا ونسائنا وحتى كبار السن لا يرى تهاوناً حقيقياً في ذلك. ولكن من يهتم بهذا الأمر من المسؤولين في المناصب العليا في واشنطن؟ فربما يواصلون قتل بعض الارهابيين من خلال شن هجمات بطائرات موجهة عن بعد. ولكن المدنيين الأبرياء هم الذين يتحملون وطأة هذه البلطجة الحكومية.
ومع ذلك فالقتلة لا يشعرون بالندم. وبدلاً من ذلك فهم ينكرون، ويدعون أنهم يقتلون قادة ومقاتلي المقاومة في مواجهة احتجاجات عامة من السكان المحليين بدعوى أنهم يذبحون الأبرياء الذين لا علاقة لهم على الإطلاق بالمتمردين. ويصرون على أن الطائرات الموجهة عن بعد تقوم باختطاف الإرهابي وتترك الطفل يجلس أو ينام سالماً بجواره.
خطأ كبير
ولكن لماذا ينزعجون عندما يتعلق الأمر بحياة أميركي، وأية حياة أخرى تعتبر برخص التراب؟ ألا يتورعون يوماً بعد يوم من أنه في سبيل تأمين الحياة الأميركية والشارع الأميركي يقومون بما يريدون القيام به في أي مكان في العالم؟ بالنسبة لهم، يعتبر الطفل في المناطق القبلية الباكستانية ليس أكثر من دمية مطاطية، والمرأة القبلية ليست أكثر من كونها «روبوت»، والرجل القبلي قوي البنية لا يزيد عن كونه صنماً من الطين لا يستحق سقوطه أي حزن. لكن هؤلاء البشر يرحلون عن ذويهم.
وتبكي عليهم قبيلة بأكملها حزناً على زوالهم المأساوي الذي تدمى له القلوب. وسيكون خطأ كبيراً من جانب المسؤولين الباكستانيين إذا جلسوا هكذا مكتوفي الأيدي، متفرجين على هذه المجزرة المروعة التي ترتكب في حق المواطنين الأبرياء، لا سيما عندما تكشف برقيات ويكيليكس أنهم رضوا بالهجمات التي تشنها وكالة المخابرات المركزية باستخدام الطائرات الموجهة عن بعد. يجب أن يدركوا أنه في أقرب فرصة سوف يرحل المغامرون الأميركيون من أفغانستان، مخلفين وراءهم سخط الجماهير في منطقة القبائل الاستراتيجية، التي تغلي بالغضب ضد الحكومة الباكستانية على حساب هؤلاء الحكام الذين تكتشف القبائل تواطؤهم مع المجازر بسبب ويكيليكس.
