قدمت حكومة رئيس الوزراء المصري عصام شرف، التي بزغت وسط كثير من الأمل، قبل ان يضعفها الجيش ويفقدها مصداقيتها، استقالتها أخيرا، إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي بات يمثل رئيس الأمر الواقع لمصر، وقد وافق المجلس عليها. وأخيرا، كان ميدان التحرير يعج بالحشود التي كانت تهتف «إرحل، إرحل»، لكن هذه المرة للمجلس الأعلى. والتنازل الوحيد الذي قدمه المجلس يتمثل في إحالة مذبحة ماسبيرو إلى المحاكم المدنية بدلا من العسكرية، وهو ليس كافيا، وينبغي على المجلس أن يترجل ويسلم السلطة إلى رئيس مدني يقوم بتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

وتأتي استقالة الحكومة احتجاجا على مقتل عدد من المتظاهرين في شوارع البلاد، حيث وصل عدد القتلى، حتى كتابة هذه السطور، إلى اكثر من 30 قتيلا، وفقد 7 أشخاص على الأقل إحدى عينيهم، وأصيب أكثر من ألف شخص بجروح خطرة، وكان كل من الجيش والشرطة قد قاما بإطلاق الرصاص لمكافحة الشغب والرصاص المطاطي والذخيرة الحية، واستخدما نوعا جديدا مؤذيا من الغاز، وقاما بمهاجمة المحتجين في الإسكندرية والسويس في الوقت الذي كان ميدان التحرير يعج بالناس.

فلماذا يحصل هذا؟ ولماذا يحصل قبل فترة وجيزة من موعد الانتخابات؟ إن السبب المباشر لاندلاع الأحداث كان انتقال الشرطة مدججة بالسلاح إلى الميدان لتفريق اعتصام قام به حوالي 200 شخص، والمحتجون كانوا مجموعة من الشباب الذين جرحوا خلال الثورة في يناير وفبراير الماضي، ولم يجر علاجهم أو تعويضهم أو مساعدتهم على إيجاد عمل، و»عدم معالجة وضعهم» يمثل عدم معالجة ما هو في صميم الثورة. وكانت قسوة الشرطة قد أدت إلى جلب مؤيدين لهم لحمايتهم، وبحلول منتصف الليل، عاد المشهد المألوف حيث كانت كتائب من قوات الأمن المركزي، التي أعيد تسميتها «قوات مكافحة الشغب»، تطلق قنابل الغاز على المحتجين الذين قاموا في المقابل برشقهم بالحجارة، ولقد وقف الجيش على الحياد، وكان بين الفينة والأخرى يقوم بحماية القوات الأمنية.

لكن السبب الذي أدى إلى انفجار المواجهات وتحولها إلى حرب شاملة بسرعة، هو الشعور الذي بات راسخا في ذهن الناس بأن المجلس الأعلى، على الرغم من اعتراضه على الموضوع، لا ينوي التخلي عن السلطة. فالجدول الزمني لتسليم السلطة المقترح من قبل المجلس أي الانتخابات البرلمانية يستغرق ثلاثة أشهر، يلي ذلك انتخاب البرلمان لجنة تأسيسية لكتابة الدستور، ولهذا الهدف تضاف ستة أشهر أخرى، ثم هناك استفتاء على الدستور, ثم الانتخابات الرئاسية في حالة نجاح الاستفتاء، وهذا كله سيبقي المجلس الأعلى بصفته رئيسا للبلاد لأكثر من 18 شهرا على أقل تقدير، والأمر الأهم يتمثل في أن المجلس الأعلى سيكون في السلطة لحظة كتابة الدستور، ولقد وافق أخيرا على إجراء الانتخابات الرئاسية بحلول يونيو 2012، لكنه لم يذكر شيئا عن الدستور.

وكان المجلس قد عين نائبا لرئيس الوزراء عصام شرف، وهو الدكتور علي السلمي، الذي اقترح وجوب قيام مختلف الأحزاب قبل الانتخابات بالتوقيع على نص «إعلان دستوري» يجعل ضمن أمور أخرى، ميزانية القوات المسلحة، بما في ذلك كل صفقات الأسلحة، بعيدة عن أعين البرلمان والحكومة والرئيس، ويكلف القوات المسلحة بدور «حماية الطبيعة المدنية للدولة»، وهذا يعني ان القوات المسلحة يمكنها الإطاحة باي حكومة لا تعجبها، بينما هي تعمل وفق الدستور.

بل الأهم من ذلك، يقول ملحق نص «الإعلان الدستوري» إن المجلس الأعلى بإمكانه رد أي مشروع دستور في أي وقت كان، ويمكنه أن يعين لجنة، في حال فشل اللجنة التأسيسية في صياغة دستور متفق عليه خلال ثلاثة أشهر، لصياغته بنفسه، وقد رفضت كل القوى السياسية نص الإعلان الدستوري، لكن المخاوف لدى الشعب لا زالت قائمة من احتمال قيام احدى القوى السياسية بالموافقة عليه سرا، على أن يقوم الجيش من ثم بالتأكد من حصولها على نسبة جيدة من المقاعد في البرلمان.

وهذا يمثل ترسيخاً للجيش في السلطة، ويظهر المجلس بكونه عدوا للثورة. والجيش ربما لم يكن مقربا من نظام مبارك فحسب، وإنما كان يشكل قلب هذا النظام. وهذا يبقى أمرا محيرا، لكن المؤكد هو أن كل خطوة إدارية أو تشريعية كانت تصب في حماية الثورة أو تؤدي إلى التقرب من أهدافها المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، قد تم تأجيلها أو عرقلتها من قبل المجلس الأعلى، وان هذا المجلس اعتقل وحاكم عسكريا 12 ألف شاب، وقتل اكثر من مئة شخص.