من المتعارف عليه أن منطقة اليورو لا يمكنها أن تقيم اتحاداً نقدياً من دون إقامة اتحاد مالي أيضاً. والمتحمسون لليورو ينظرون إلى العملة الموحدة باعتبارها مرتكزاً لاتحاد اقتصادي أوسع نطاقاً يجسد الحلم الذي يتطلعون إليه، أما المشككون باليورو، فيرون في نهاية النفق أبواب الجحيم، ويفضلون تفكيك العملة الموحدة. ولقد أتاحت أزمة اليورو المجال أمام التحقق من صحة هذه المفاهيم.
ويجادل المعسكران بأن جهود دول منطقة اليورو المقلوبة رأسا على عقب في بناء اتحاد نقدي من دون نظيره المالي، تفسر وقوع الاتحاد في مثل هذه الفوضى. لكن المتحمسين لليورو يقولون إن الطريق إلى الأمام يتمثل في قيام دول منطقة اليورو الـ17 بإصدار سندات باليورو، مع قيام مجمل الدول بتقديم ضمانات، وهذا الاقتراح هو أحد الأشكال المتنوعة لفكرة الوحدة المالية.
لكن الاتحاد المالي لن يبزغ إلى الوجود في وقت قصير، وبالتأكيد ليس بالسرعة الكافية لحل الأزمة الحالية، فالأمر يتطلب معاهدة جديدة، وهذا يعني موافقة الدول بالإجماع.
وعلى الرغم من أن الأزمة في منطقة اليورو مرت بمرحلة حرجة أخيراً، لكن في خضم هذه الاضطرابات كانت هناك إشارات تفيد بأن المنطقة تتخبط لتبني خيار ثالث للتعامل مع الأزمة، قائم على تحمل الدول كل منها على حدة، مسؤولية أوضاعها المالية وتبني مبادئ السوق الحرة، وهو ما يفترض بها أن تتبناه كمثال يحتذى به على المدى الطويل.
سمات وعقبات
والعملة الموحدة نظرياً لها ميزات كثيرة مفيدة لسوق الاتحاد الأوروبي الموحدة، وعندما لا تساور الناس مشاعر قلق حيال العملات المتقلبة، يصبح القيام بالأعمال أكثر سهولة. لكن هناك أيضاً سمة سلبية كبيرة، حيث تخسر الدول كلاً على حدة قدرتها على تفصيل سياساتها النقدية حسب حاجاتها من خلال تحديد أسعار الفائدة، التي يثير فرضها من قبل المصرف المركزي الأوروبي مشكلة لأن الاقتصادات المختلفة تتطور بسرعات متفاوتة.
وكون منافع الحصول على عملة موحدة يفوق التكاليف هو امر يعتمد بشكل كبير على عوامل ثلاثة: التشابه بين الاقتصادات التي تغطيها السياسات النقدية الموحدة، ومدى مرونتها، ووجود ميزانية مركزية ضخمة يمكن استخدامها لتحويل المال من المناطق المزدهرة إلى المناطق التي تواجه صعوبات. والاقتصادات ذات البنى والدورات المتشابهة تجد العيش أكثر سهولة بسياسة مالية تناسب كل الأحجام، وحتى الاقتصادات الأخرى يمكنها أن تتعامل مع العملة الموحدة طالما هي قادرة على التكيف، وبالتحديد طالما استمر قطاع الأعمال قادراً على توظيف العمال المستعدين لعبور الحدود بحثاً عن عمل، وصرفهم بسهولة.
ومنطقة اليورو لم تحرز جيداً في أي من هذه المجالات، لاسيما بالمقارنة مع الولايات المتحدة. فاقتصادات أوروبا متنوعة وسوق العمالة لديها محاط بقيود كثيرة ولديها ميزانية مركزية صغيرة لمساعدة المناطق التي تواجه صعوبات.
مفاقمة الدين
لكن هناك طريقاً آخر للعيش داخل قيود السياسة المالية الملائمة لكل الأحجام، يتمثل في تقوية الأعضاء الأضعف في أوروبا، وبالتحديد من خلال جعل اقتصاداتها اكثر مرونة. قبل اطلاق العملة الموحدة عام 1999، لم يكن لدى الحكومات حوافز للمضي بالإصلاحات القاسية المطلوبة لذلك، وعندما وجدت بلدان، مثل اليونان أو إيطاليا، نفسها اقل تنافسية، كانت حكوماتها تخفض قيمة عملتها لزيادة التنافسية. وبعد قيام الوحدة النقدية، وجدت اقتصادات منطقة اليورو غير السليمة لنفسها مهرباً آخر، من خلال استدانة المال، وهذا سمح لها بتمويل انفاق كبير من دون أي زيادة ضريبية.
كذلك، راكمت دول كثيرة ديونا هائلة، مما ساهم في زرع بذور الأزمة الحالية. ففي ظل معاهدة ماستريخت، يفترض بالحكومات أن لا تراكم ديونا توازي اكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن كل الاقتصادات الرئيسية في منطقة اليورو تجاوزت هذا الحد. وبعد تباطؤ الاقتصاد العالمي في بداية هذا القرن، فإن دولاً كان يفترض أنها ملتزمة مثل فرنسا وألمانيا، بدأت بخرق القواعد التي تعنى بالحد من عجز الميزانيات، ولم تكن هناك إمكانية لضبط الدول الأخرى، وفي السنوات الماضية، تجاوز معدل الدين إلى الناتج في فرنسا وألمانيا 80%، ووصل إلى 119% في إيطاليا و143% في اليونان.
وارتفع الدين ليس بسبب خرق الحكومات لقواعد المعاهدة فحسب، وإنما أيضاً لأن الحكومات استطاعت إقناع المستثمرين، لا سيما المصارف وشركات التأمين، بإقراضها المال. وفي بداية 2010، توقف المستثمرون أخيراً عن ذلك، لكن هذه الضربة للسندات استغرقت وقتاً طويلاً للبزوغ، وفشل الأسواق في ضبط الحكومات بسرعة كان بسبب الحكومات نفسها، التي استفادت من الفكرة المنتشرة القائلة إن الدول الأوروبية لا يمكنها التخلف عن السداد.
ولقد عزز هذا الاعتقاد الطريقة التي جرى بها تنظيم عمل المصارف. فالقواعد المسماة بقواعد بازل، والتي هي توصيات المصارف المركزية لبلدان مجموعة العشرين وغيرها، بخصوص أنظمة المصارف، تفيد أن السندات الحكومية هي أصول خالية من المخاطر، وبالتالي، فإن المصارف غير مجبرة على الاحتفاظ بأية رساميل عند الاستثمار فيها. ولم يكن مفاجئاً، بالتالي مراكمة المصارف لهذه السندات، وبالتالي تأثر المصارف بمشكلات الديون السيادية أيضاً. وقبل إفلاس مصرف «ليمان براذرز» الأميركي في سبتمبر 2008 وبعد إفلاسه، فإن المصارف المركزية على ضفتي الأطلسي أغرقت العالم بالمال الرخيص، مما شوه أسواق المال، وجعل من السهولة للحكومات مراكمة الديون. وهذا الخرق للقاعدة بتدبير من الحكومات والتزوير لصالح السندات الحكومية هما اللذان أديا إلى اندلاع الأزمة الحالية، وليس غياب الوحدة المالية.
رباط اليورو
لكن هذا لم يوقف الاقتصادات الضعيفة في أوروبا عن الدعوة إلى الوحدة المالية، بل على العكس تماما، فإن هذه الاقتصادات باتت تتطلع إلى طريقة أخرى للمضي في العيش اكثر مما في وسعها. والمسؤولون في اليونان وإيطاليا كانوا يريدون جعل دولتيهما قادرتين على إصدار سندات باليورو. فالسندات باليورو تعزل الدول الضعيفة عن عمليات ضبط السوق، من خلال الإشارة للمستثمرين بأن ألمانيا ودولاً أخرى ستدفع الفاتورة في نهاية المطاف إذا ما تخلفت بلادهما عن سداد الدين. لكن من منظور الدول القوية، فإن السماح بإصدار سندات باليورو سوف يعطي الاقتصادات الضعيفة ترخيصاً للمضي بالإسراف. بالإضافة إلى ذلك، فإن تحمل دين منطقة اليورو بأكمله يمكنه في النهاية أن يقصم ظهر الدول القوية أيضاً.
وكانت هناك أفكار أخرى، فقد اقترح مركز بحوث في بروكسل يدعى «بروغل» وضع سقف لسندات اليورو لكل دولة عند 60% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن المشكلة أن الدول التي تواجه صعوبات لديها أعباء ديون تفوق هذه النسبة، وهذا هو السبب وراء دعوة رجل الأعمال الأميركي جورج سوروس وأمثاله إلى المطالبة بنسبة أعلى بكثير.
أما ألمانيا فقد كانت على استعداد لتأييد فكرة الوحدة المالية، لكن فقط بعد مسار طويل من التكامل بعد انتهاء الأزمة، وهي تشدد على فرض قواعد جديدة اكثر تشددا وجزاء على من ينتهك القواعد.
وبمعزل عن التصورات المستقبلية، كانت إدارة الأزمة الحالية عبارة عن عمليات إنقاذ تدرس كل حالة على حدة، حيث يجري تأمين قروض بفوائد متدنية من الصناديق الأوروبية المختلفة وصندوق النقد الدولي، في مقابل قيام الدول التي تواجه صعوبات بإصلاحات لاقتصاداتها وتقليص لاستدانتها، وعمليات الإنقاذ هذه تتضمن مساعدة من دول قوية مالياً إلى دول اضعف، لكن هذه المساعدة ليست بالقدر كما لو كان الوضع يحصل في ظل اتحاد مالي كامل.
ومع ابتلاع دوامة الانهيار الاقتصادي لمزيد من البلدان، وجدت دول منطقة اليورو الـ17 صعوبة في الاتفاق على ما يفترض القيام به، مما أدى إلى وضع سياسة متعرجة، وهذا قوض ثقة المستثمرين وأوجد صعوبات اقتصادات غير ضرورية.
ومع كل عيوبها، فإن هذه السياسة اتسمت ببعض النجاح. فقد أجبرت الحكومات الأوروبية الأضعف على تبني الإصلاحات التي كانت تتهرب منها لعقود، وتقوم هذه الدول الآن بتحرير أسواق العمالة، واقتلاع التهرب من الضرائب، ورفع سنوات التقاعد المتدنية، ومحاربة البيروقراطية وخصخصة الصناعات، وغيره. ولو كانت تلك الدول قادرة على إصدار سندات باليورو، لما كان لديها الحوافز لإصلاح ذاتها.
حرية الفشل
ومع ذلك، فإن إدارة الأزمة الحالية كانت ناقصة في سمة واحدة مهمة. فالدول المتعسرة لم يسمح لها بإعلان إفلاسها، وديون اليونان ترتفع خارجة عن السيطرة، في الوقت الذي شجعت خطة إنقاذ القمة الأوروبية في يوليو الماضي المصارف التي أقرضت أموالها إلى جدولة ديونها أو تمديد فترة السداد، وهذا يبتعد كثيراً عن إعادة هيكلة دين مناسبة، تؤدي إلى مستوى عبء الدين اقل، يمكن اليونان ان تتحمله.
ان الشركات حول العالم تعيد هيكلة ديونها والحكومات خارج أوروبا تتخلف عن السداد. فلماذا يفترض بدول منطقة اليورو أن لا تكون قادرة على ذلك؟
الملاذ الأخير
إن جزءاً من فن إدارة الأزمات المالية هو إجراء تمييز بين المؤسسات المتعسرة وتلك التي تنقصها السيولة. بالنسبة لديون المؤسسات المتعسرة فإنه يفترض إعادة هيكلتها، أما المؤسسات التي تنقصها السيولة فيتعين ان تحصل على تمويل. تماماً كما حال الدول بعلاقتها بعملاتها، فإن منطقة اليورو تحتاج إلى مقرض الملاذ الأخير، والمهم ضمان أن لا يتحول إلى مقرض الملاذ الأول، حيث إن هذا سيزيل الحافز أمام الدول والمصارف لإدارة شؤونها بشكل مسؤول.
في منتصف 2013، سوف يحل صندوق إنقاذ آخر محل صندوق الاستقرار المالي الأوروبي، وهذا الصندوق الدائم يدعى آلية الاستقرار الأوروبي. وفي جانب محدد، فإن هذه الآلية ستكون افضل من الصندوق، حيث سيطلب منها التمييز عند الإقراض بين الحكومات المتعسرة وتلك التي تنقصها السيولة، وفي حال الحكومات المتعسرة، فإن الدين الذي يحمله الدائنون من القطاع الخاص يتعين إعادة هيكلته بحيث يجعل الديون الحكومية قابلة للاستدامة، وما يدعو للأسف هو أن هذه الألية لن تصبح قيد التطبيق إلا بعد مرور سنتين.
وأخذاً بعين الاعتبار كل هذه التعقيدات على الطريق، فإن العديد من المشككين باليورو يعتقدون أنه من الأفضل التخلي عن مشروع اليورو بأكمله. لكن هذه فكرة سيئة، فالاتحاد النقدي قد يكون قد تتطور قبل أوانه، لكن لا أحد خرج بطريقة لوضع الأمور في نصابها. إذا ما قررت أثينا إعادة العمل بالدراخمة على سبيل المثال، فإن الناس تلقائياً سوف تسحب اليورو من المصارف اليونانية مما يؤدي بالنظام المالي للبلاد إلى الانهيار حتى قبل إصدار العملة الجديدة. والمودعين في الدول الضعيفة الأخرى سيسحبون أموالهم من مصارف تلك البلدان، مما يولد سلسلة من الانهيارات وكساداً عميقاً. وهناك خيار آخر وهو السوق المنضبط زائد علاقة الحب الصعبة. وهذا الدواء سيكون هضمه صعباً، لكن في النهاية سوف يؤدي إلى أوروبا الأكثر تفاؤلا.
