يلقي اليونانيون باللائمة على السياسيين والمصرفيين، في الوقت الذي تنتابهم مشاعر الغضب تجاه ألمانيا لأنها جعلتهم كبش فداء لأزمات أكبر, وأخيرا، تسمروا داخل بيوتهم أمام أجهزة التلفاز يتابعون "الإثارة" السياسية التي كانت تتكشف أمامهم، وهم مهددون بخروج بلادهم من منطقة اليورو.

وفي حال لم يفهم بشكل كاف مغزى دعوة كل من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، لرئيس الوزراء اليوناني السابق جورج باباندريو للتوجه إلى اجتماع قمة مجموعة العشرين في كان أخيرا، فقد قام مفوض الاتحاد الأوروبي أولي رين، بتوضيح الأمر عندما أصدر إنذارا بهذا الخصوص، قائلا: "لدى اليونان 24 ساعة لتشكيل حكومة وحدة أو تقتلع مثل شوكة متقرحة من جنب أوروبا". وفيما المفاوضات المطولة الأليمة بين قادة الحزبين الرئيسين في اليونان تمضي قدما، ظهر الموعد النهائي في اللحظة التي كانت الأسواق في طوكيو تفتح أبوابها، وأعلن عن حكومة الوحدة في وقتها.

حكومة اللا بديل

لكن في ظل هذه الظروف، ما هي الشرعية التي بإمكان الإدارة "الانتقالية" الجديدة لليونان التمتع بها؟ فسلطتها سوف تبنى أساسا على الخوف، خوف من الإفلاس أو العودة إلى الدراخمة، وهو الأمر الذي يعارضه حوالي 70% من اليونانيين، أو إخراج اليونان من أوروبا والعالم "المتقدم". إنها "حكومة اللابديل"، وحكومة الخضوع المطلق للاتحاد الأوروبي والمصارف وسياسات التقشف. وفي سبيل ضمان الدفعة السادسة من القروض وحزمة إنقاذ جديدة أخرى، يتعين على اليونان أن تلتزم بتطبيق اتفاق القمة الأوروبي المنعقد في أكتوبر 26 الماضي، بإجراءاته التقشفية التي ما فتئت تزداد عمقا، وفي ظل رقابة يمثلها حضور دائم للترويكا في أثينا. أما تاريخ الانتخابات الموعود الذي تقرر أن يكون في فبراير المقبل، فيبدو أنه ينحسر الآن إلى مستقبل خاضع لشروط.

وأسوأ ما في الأمر هو أن الواقعية في اللحظة الراهنة تشير إلى عدم وجود خيار أفضل: فعندما يكون المسدس موجها إلى الرأس، يحتاج المرء إلى مفاوض رهائن جيد للخروج من الورطة. والمكلف تولي منصب رئيس وزراء اليونان لوكاس باباديموس سيتوجب عليه اختيار قبول الكأس المسمومة، وباباديموس من داخل الترويكا ويتمتع بمعرفة تاريخية بأوضاع اليونان المالية، فقد تولى منصب نائب رئيس مصرف أوروبا المركزي خلال الفترة 2002 إلى 2010 وحاكم مصرف اليونان عندما دخلت اليونان في اليورو بناء على إحصاءات مشكوك بأمرها، وهو خبير اقتصادي خريج جامعة هارفرد ويتكلم الألمانية بطلاقة، وهو رجل يمكن أن يثق به الأوروبيون إذا كان هناك من يوناني يثق به الأوروبيون.

وكان المتظاهرون اليونانيون خارج البرلمان في أثينا يطالبون بسقوط الحكومة منذ الصيف الماضي، وعندما سئلوا ماذا يريدون في المقابل، اختلفت الإجابة بين من يريد "حكومة خبراء من دون سياسيين" ومن يريد "انتخابات سريعة" وبين من يريد أن يترك "الشعب يجد طريقه". وهناك شكوك حول ما إذا كان في ذهنهم تولي حماة المصارف مقاليد الأمور من أجل تمديد برنامج التقشف الكارثي، كذلك هناك شكوك حول أن رئيس الوزراء المقبل سيتحدى السلطة الاوليغارشية الفاسدة في اليونان، التي يفترض تفتيتها إذا كان هناك من أمل في انعاش البلاد.

أحلام وكوابيس

وأزمة اليونان تذهب الآن أبعد من الاقتصادات والسياسات، فلقد تسربت إلى كل تفصيل من تفاصيل حياة الناس، بما في ذلك إلى أحلامهم وكوابيسهم وعلاقتهم الأكثر حميمية، وهناك من فقد أعماله وبات يعتاش على إحسان الغير.

ونوبات الغضب تنفجر في ثوان، والتعابير المسموعة في الشارع باستمرار "يفترض شنقهم جميعا"، والساسة اليونانيون كلهم هم الأوائل في مرمى النيران لكذبهم وفسادهم، وللأموال التي هربوها إلى حساباتهم في المصارف السويسرية. واللوم قبل كل شيء يقع على الأوروبيين والألمان خصوصا الذين جعلوا اليونان كبش فداء لأزمات اكبر، ووصفوا اليونانيين بأنهم متطفلون كسالى يتقاعسون عن دفع الضرائب، في الوقت الذي انتعشت الصناعة الألمانية على حساب أسواق الدول الأطراف في أوروبا، وتمكنت الشركات الألمانية من الحصول على عقود ضخمة في اليونان مقابل رشاوى بالمليارات. وفي جزيرة ايفيا، في الريف اليوناني حيث يفترض أن لا تكون للأزمة وجود، تصرخ امرأة قائلة: "اليونانيون يعملون جاهدين من الصباح إلى المساء، ولا يريدون مزيدا من المخلصين، الله وحده يمكنه أن ينقذ اليونان، فكيف يمكن لهذه الإجراءات إنقاذنا في الوقت الذي تعمل على تدميرنا، في الوقت الذي بدأنا نجوع؟"

وفي داخل اليونان وخارجها، يجري وصف رئيس الوزراء الجديد بأنه المنقذ، لكن لا احد في اليونان اليوم يتوقع أن يجري إنقاذه، ومهما حصل اليوم أو غدا، فلا انبعاث في الأفق، بل المزيد من السنوات العجاف ومن التقشف والابتزاز المالي والتفكك الاجتماعي، وربما من المفيد، على أقل تقدير، اجتياز هذه السنوات بنوع من الإحساس بالاستقلالية وحرية المصير.