انقضت فترة ليست بالقصيرة منذ اجتاحت الجموع الهادرة ميدان التحرير في مظاهرة مليونية مؤثرة على الحياة السياسية. فإلى أين إذا مضت أشهر حركات الاحتجاج في العالم وأكثرها تأثيرا؟

عندما ينظر المرء إلى شوارع القاهرة يبدو أن هذه الحركة قد انقض عليها نيزك من السماء، فحطمها وحولها إلى ألف احتجاج محدود على امتداد العاصمة المصرية. وهذه الاحتجاجات الصغيرة يجمعها كلها أنها محدودة ومؤقتة، ولا يحتمل أن تؤثر في إحكام قبضة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على السلطة.

ووسط القاهرة الذي يبدو في معظم الأيام بالنسبة لمدينة بهذا الحجم خاليا على نحو منقوص من البلطجية والمشردين، يضم الآن تجمعات من المحتجين في شوارعها، وهذه المجموعات صغيرة بما فيه الكفاية، بحيث يتم تجاهلها.

وهذه الاحتجاجات كلها استوعبت فيما يبدو بطريقة ما الدرس الأكثر تفاؤلا من ميدان التحرير، وهو أنه في الظروف المناسبة يمكن لقوة الشعب وللجهود الحاسمة وغير العنيفة أن تنجح في التغلب على أعداء أقوياء.

غير أن اللغز الذي لم تحله هذه الاحتجاجات الصغيرة يظل هو نفسه اللغز الذي لم يحله جيل ميدان التحرير. وهذا اللغز مفاده سؤال محدد: ما الذي يشكل التحرك الثاني الفعال بعد أن كان التحرك الأول دراميا للغاية بحيث استحال إيقافه؟ هل يتعين على ما احتجوا اليوم، الذين يستبقون الانتخابات الوشيكة، أن يستنسخوا نجاح المظاهرات السابقة؟ إنهم سيواجهون عسكريين يعرفون أن الجمهور إلى جانبهم إلى حد كبير، على الأقل إلى أن تظهر قيادة بديلة يمكنها أن تعد ببروز استقرار حقيقي.