ينتظر الجميع أول انتخابات حرة تجري بعد سقوط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك في أجواء محمومة، ويشير المراقبون إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية قد استعد لها بمسلسل من الخطوات لا يمكن وصفه إلا بأنه تجسيد لاضطراب حقيقي، فقانون الانتحابات مثير للحيرة وبعيد عن التماسك، والاستعدادات للانتخابات تبدو مضطربة، والقواعد التي ستجرى الانتخابات وفقا لها لا تفتأ تتغير والناس لا يعلمون الا بالكاد من الذي سينتخبونه، وبعض الناشطين يخططون لمقاطعة الانتخابات بينما يتأهب التيار الديني لتحقيق فوز كبير فيها.
خطوة صحيحة
وعلى الرغم من ذلك كله فإن إجراء هذه الانتخابات يظل الخطوة الصحيحة. فلكي تتحول مصر إلى نظام ديمقراطي شرعي يكون على مبدأ المحاسبة يتعين عليها بالفعل القيام بهذا الانتقال، وهو ما يعني إجراء الانتخابات.
وفي غضون ذلك تبرز مجموعة من المؤشرات الجديرة بالمتابعة حقا، فلم يحدث أي تراجع من جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة فيما يتعلق بالتزامه بإجراء هذه الانتخابات وذلك على الرغم من توافر الفرصة لتأجيلها.
وعلى الجانب الآخر، ورغم قرار بعض الناشطين بمقاطعة الانتخابات، إلا أنهم فيما يبدو يشكلون أقلية.
وتدرك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أهمية الانتخابات الوشيكة، وبالتالي فهي مصممة على بذل قصارى جهدها لجعل المجلس الأعلى يفي بالتزاماته ومساعدته في تحقيق هذا الانتقال، حيث ان إجراء الانتخابات الآن يظل الخيار الأفضل بالنسبة لمصر، ولكن الجميع ينبغي أن يستعد للنتيجة المحتملة، وذلك بالتيقن من أن الاقتراع سيستغل حقا انتقالا إلى مصر ديمقراطية، ليس إلى حفر قبر للتجربة الديمقراطية الوليدة.
ويظل الكثير من المراقبين متفائلين بأن مصر شأن تونس ستحقق انتقالها الديمقراطي على الرغم من كل الاضطرابات، ولا يرجع ذلك بالضرورة إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية قد أظهر أي التزام حقيقي بالديمقراطية أو حكم القانون، وإنما إلى أن هناك إجماعا عاما عميقا وعريضا على تأييد الديمقراطية, وهناك قوى قديرة ومتنافسة كفيلة بالحيلولة دون أي عودة إلى أسلوب حكم مبارك السلطوي. كما أن إدارة أوباما مصممة على أعلى المستويات على مساعدة مصر في المضي قدما على هذا الطريق، ويتردد أنها تعمل وراء الكواليس على دفع المجلس الأعلى في هذا الاتجاه.
ويرجع هذا أيضا إلى أن المجلس الأعلى قد برهن على قدرته سياسيا، حتى إذا كان أعضاء المجلس راغبين في البقاء في السلطة، ويعتزمون إجهاد الثورة المصرية ، فإنهم ليسوا بارعين في ذلك.
إحباطات عميقة
وعلى الرغم من الإحباطات العميقة والمبررة التي يستشعرها الناشطون والإعلاميون المصريون، فإن الطبقة السياسية الجديدة في مصر قد نجحت في جعل حياة أعضاء المجلس الأعلى حياة بائسة، والعسكريون لم يشعروا بالارتياح وهم يمسكون بمقاليد السلطة، كما لم يظهروا أنهم يمسكون بمفاتيح استرداد النظام العام، وإعادة الاقتصاد المصري إلى مساره، وجهودهم التي بذلوها لفرض سلطتهم باللجوء المستمر إلى المحاكم العسكرية، واعتقال الناشطين البارزين وزيادة المراقبة أدت إلى جعل الأمور بعيدة عن الاستقرار.
وقد أظهر استطلاع حديث للرأي نشرت نتائجه أخيرا، أن شعبية المجلس الأعلى قد تراجعت بمعدل 25 نقطة في غضون الأشهر الخمسة الأخيرة من 86% إلى 61%.
وقد طرحت انتقادات كثيرة لإجراء هذه الانتخابات الآن، ولكن البدائل الأخرى تتسم جميعها بأنها سيئة، فقد برهنت الاضطرابات والفوضى وأشكال القلاقل والعنف التي ظهرت خلال الشهور التي سيطر فيها المجلس الأعلى على السلطة أن بقاء العسكريين في السلطة لا يضمن الاستقرار أو الثبات أو الانتعاش الاقتصادي. ولو أن المجلس أجل إجراء الانتخابات أكثر من هذا ، وهو ما علق البعض الآمال عليه، لكان الجميع يشكو الآن من أن هذا يبرهن على نية العسكريين التشبث بالسلطة. ولو أن المجلس الأعلى كان قد اختار أن يصيغ الدستور أولا، لمضى الجميع يشكو من تشكيل لجنة الصياغة ومن محتوى المشروع الذي يتم تشريعه، بينما الانتخابات تظل في الأفق البعيد.
وذلك السر في أنه كان من المهم دوما أن تمضي الانتخابات قدما.
وسواء فاز حزب الحرية والعدالة الذي يمثل التجلي الحزبي للإخوان المسلمين، أم لم يفز بالأغلبية ، وسواء حدث ذلك للتيار الديني في مصر أو لم يحدث، فإنه يتعين على الجميع أن يكونوا على استعداد لفوز الإسلاميين بقدر يعتد به من الأصوات ، وبالتالي من المقاعد البرلمانية، حيث أنه من المستحيل تقريبا إجراء انتخابات حرة ونزيهة في مصر دون أن يحصل الإسلاميون على نصيب يعتد به من الأصوات. ولكن على الرغم من أن نجاح التيار الديني هو أمر متوقع، إلا أنه يحتمل أن يؤدي إلى إثارة موجة كاسحة من النشاط السياسي والإعلامي، وهو ما سيزداد تعقيدا، في ضوء الحقيقة القائلة إن الانتخابات المصرية ستجرى عبر 3 جولات بدلا من أن يتم استكمالها في يوم واحد، وهو ما يعني وجود أسابيع طويلة تروج خلالها الشائعات عن انتصارات التيارات الإسلامية، وبالتالي حدوث استقطاب وتبادل للاتهامات، بل وما هو أسوأ من ذلك، أي توجيه الدعوة للتدخل وإلغاء الانتخابات على نحو ما حدث في الجزائر عام 1991.
وفي ضوء هذا يتعين على الجميع لتجنب مثل هذا الفشل الكارثي عدم المبالغة في إبداء رد الفعل، ويحتاج العلمانيون واليساريون والليبراليون والمسيحيون في مصر لإظهار الكثير من ضبط النفس، وبصفة خاصة مقاومة إغراء الدعوة لمقاطعة الانتخابات إذا ساءت مسيرتها.
