يسود القاهرة مناخ من عدم الارتياح يغذيه الخوف من المجهول، تلك الساحة السياسية التي تتعدد عليها الأحزاب ، وتمتلئ بالمنازعات والصفقات والخيانات التي تصدر عن هذه الأحزاب.
وهناك أيضا شعور بأن الوقت ينفد أمام اللاعبين في هذه الساحة، وأن الباب المفضي إلى المستقبل أيا كان هذا المستقبل، سوف يوصد مجددا في المستقبل القريب.
معلم ديمقراطي
تعد الانتخابات البرلمانية الوشيكة في مصر أول معلم ديمقراطي جاد منذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، ولكن معظم الناس لا يزالون في انتظار أن يتم إقناعهم بأن السياسيين الجدد سيكونون موحدين بما فيه الكفاية ، أو مسلحين بما يكفي من القدرة الفكرية لممارسة أي سلطة لها مخزاها، حتى لو سمح العسكريون لهم بذلك.
يسمع المراقبون في القاهرة حديثا عن التشاؤم يفوق ما يسمعونه عن الأمل، وفي الوقت الحالي فإن مصر لا تشهد إجماعا تاما على ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهذه الثورة أشبه ما تكون الآن بجواد بلا راكب يتم اجتذابه مرة من العنق وأخرى من الذيل.
ويساء فهمه، ويضرب حتى ينزف دما. وهناك من لا يشعرون بالحب نحوه، وما من أحد يعرف من الذي يمتلكه أو يسيطر عليه، بل إن هناك شكوكا حول أن تكون هذه الثورة ثورة على الإطلاق، فهي لها وجوه محيرة، وبعض المصريين ينتابهم الخوف حيالها.
ويشير البعض إلى أنه لم تعد هناك أي قواعد مطبقة في القاهرة الآن، ولكن المراقب لما يجري يمكنه أن يستنتج بوجود قاعدة أو قاعدتين جديدتين، بالإضافة إلى مجموعة بمن يضطلعون بتنفيذ هذه القواعد، ففي الشهور التسعة المنقضية منذ اندلاع الثورة، أحيل 12 ألف مدني إلى المحاكم العسكرية في بلد كان الأمر يقتضي غالبا عدة شهور أو سنوات لكي تشق أي قضية طريقها إلى المحكمة.
رفض الانتقاد
وقد أوضح أعضاء المجلس العسكري المصري بجلاء أنهم لا يحبون أن يوجه لهم الانتقاد ، غير أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن مجموعة من الصحافيين قد وجهت إليهم تحذيرات خاصة. وفي غضون ذلك يلاحظ أن العنف في الشوارع قد انحسر وعاد للامتداد، فيما يقول أعضاء المجلس الأعلى أنهم يبذلون قصارى جهدهم لاحتوائه.
ولكنه من الصعب تبني كيف أن واحدا من أكبر جيوش العالم يمكن أن يعجز عن الحيلولة دون نشوب معارك في شوارع عاصمته إذا أراد ذلكـ، خاصة مع وجود موارد أميركية يعتد بها تحت يده. وأيا كان الأمر فإن الموافقة على أداء العسكريين قد حلقت إلى مستوى يدور حول 90%. وهو ما عقب عليه أحد المعلقين بالقول: من غيرهم يسعى إليه. هل تريد لفتيان إدارة التحرير إدارة البلاد؟ إنهم لم يديروا شيئا قط، والمصريون يعرفون ذلك، وحتى إذا لم تحب الجيش، فليس هناك غيره يقوم بهذه المهمة.
وهكذا فإنه بعد الثورة التي كان يفترض انها تدور حول الخيارات، فليس هناك الآن إلا خيار واحد، وهو الخيار العسكري.
ولا يعني ذلك أن العسكريين سعداء بما يقومون به، فعلى امتداد شهور ظل المجلس الأعلى يؤكد لكل من يصغي إليه أنه لا يسعى إلى السلطة، وليس حريصا على التمسك بها، وفي الوقت نفسه فإنه لم يبد حماسا يذكر لإعادتها إلى المدنيين.
وتعقب شخصية سياسية بارزة على هذا الموقف بالقول: إن العسكريين لا يعرفون ماذا يفعلون، ومعظم الجماعات السياسية وافقت على نسيان الماضي ومنح العسكريين حصانة، ولكن القيادات العسكرية لا تثق بهذه الجماعات.
