تعتبر أزمة اليورو نتاجا مباشرا لانهيار عام 2008، فلدى سقوط مصرف ليمان براذرز الأميركي، بدأ مجمل النظام المالي بالتداعي، وكان لا بد من وضعه على جهاز الإنعاش الاصطناعي. وقد اتخذ هذا الإنعاش شكل استبدال القروض السيادية للحكومات لتحل محل قروض المصارف وغيرها من أدوات الإقراض الأخرى التي انهارت، وفي اجتماع لا ينسى لوزراء المالية الأوروبيين في نوفمبر 2008، وعد المجتمعون بضمان عدم انهيار أي مؤسسة مالية أخرى ذات أهمية لعمل النظام المالي، ولقد حذت الولايات المتحدة حذو أوروبا في هذا الاتجاه.

وأعلنت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل حينها أنه يفترض تطبيق هذا الضمان من قبل كل دولة أوروبية على حدة، وليس من قبل الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو كلها. وقد زرع هذا الموقف بذور أزمة اليورو لأنه كشف عن ضعف كامن في بنية العملة وقام بتشغيله، وهذا الضعف تمثل في انعدام وجود خزينة عامة لأعضاء منطقة اليورو، فاندلعت الأزمة بعد مرور سنة ونيف في عام 2010.

تشابه الأزمتين

وهناك بعض التشابه بين أزمة اليورو وأزمة الرهن العقاري الثانوي التي سببت الانهيار في عام 2008. وفي كلتا الحالتين، فإن أصولاً كان يفترض أنها بلا مجازفة، أي التزامات دين مكفول تعتمد على الرهون العقارية في 2008، وعلى سندات الحكومة الأوروبية في الأزمة الحالية، خسرت جزءا إن لم يكن كل قيمتها.

ولسوء الحظ، تعتبر أزمة اليورو اكثر تعقيداً، في ظل غياب السلطة المالية القادرة على التعامل مع الأزمة. لكن العناوين العامة لهذه العناصر المفقودة، أي ما يسمى الخزينة العامة قد بدأت بالظهور. ويمكن إيجادها في صندوق الاستقرار المالي الأوروبي الذي اتفقت على إنشائه الدول الأعضاء ال27 للاتحاد الأوروبي في مايو 2010، وخليفته آلية الاستقرار الأوروبي بعد عام 2013.

لكن صندوق الاستقرار المالي الأوروبي لم تجر رسملته بشكل كاف، ومهامه غير محددة كما يجب، ويفترض به تأمين شبكة حماية لمنطقة اليورو ككل، لكن عمليا تم تفصيله لتمويل حزمة إنقاذ لثلاث دول صغيرة، وهي اليونان والبرتغال وإيرلندا. والصندوق ليس كبيراً بما يكفي لدعم اقتصادات اكبر، مثل إسبانيا وإيطاليا، ولم يكن الغرض من إنشائه في الأصل معالجة مشكلات النظام المصرفي، على الرغم من توسيع نطاق عمله تدريجيا ليطال المصارف بالإضافة إلى الدول السيادية، أما العيب الأكبر في الصندوق، فيتمثل في انه مجرد آلية لجمع الأموال، في الوقت الذي تترك صلاحية صرف تلك الأموال بيد حكومات الدول الأعضاء، وهذا يجعل الصندوق دون جدوى وعاجزا عن الرد على الأزمة، حيث يتعين عليه انتظار أوامر الدول الأعضاء.

تفاقم الأوضاع

ومما فاقم الأوضاع سوءاً في منطقة اليورو القرارات الأخيرة للمحكمة الدستورية الألمانية، التي على الرغم من اعتبارها الصندوق دستوريا، فإنها حظرت أي ضمانات مستقبلية تقدم منافع لدول أخرى من دون الموافقة المسبقة للجنة الموازنة في البرلمان الألماني بوندستاغ، الأمر الذي سيحد بشكل كبير من الصلاحيات الاستنسابية للحكومة الألمانية وحريتها في التصرف في مواجهة أزمات مقبلة.

وأدت الطريقة التي تعاملت بها الحكومات مع الأزمة الأخيرة إلى زرع بذور الأزمة المقبلة. فقد وافقت هذه السلطات على مبدأ أن الدول التي تتلقى مساعدات لا ينبغي لها دفع أسعار فائدة جزائية، وأوجدت صندوق الاستقرار المالي الأوروبي كآلية جمع أموال لهذا الهدف، ولو تم قبول هذا المبدأ من البداية، لما كانت الأزمة اليونانية نمت بهذا الشكل الحاد. وكما هي الحال الآن، فقد انتشرت العدوى إلى إسبانيا وإيطاليا، مع انعدام القدرة المتزايد على دفع الديون السيادية وغيرها من الديون، لكن هاتين الدولتين لا يجوز لهما الاستدانة على أساس المعدلات الميسرة الأدنى لليونان، وهذا وضعهما في مسار سيصل بهما، عاجلا أم آجلا، إلى المأزق نفسه الذي وقعت فيه اليونان. في حالة اليونان، كان عبء الديون قد وصل إلى مستويات لا يمكن تحمله، فعرض على حاملي السندات إعادة هيكلة طوعية يجري بموجبها القبول بأسعار فائدة أقل مع تأخر في السداد أو تخفيض في قيمة السداد. ولم توضع تدابير أخرى تأخذ بالحسبان احتمال التخلف عن السداد أو الارتداد عن منطقة اليورو.

شراء سندات

وهذان العيبان المتمثلان بعدم وجود معدلات ميسرة لكل من إيطاليا وإسبانيا، وبعدم الاستعداد لإمكانية حصول تعثر عن السداد أو تخل عن منطقة اليورو، القيا بظلال من الارتياب على سندات حكومات دول أخرى تعاني من مشكلات عجز، وعلى النظام المصرفي لمنطقة اليورو المثقل بهذه السندات. وكبديل مؤقت، تقدم المصرف المركزي الأوروبي لردم الفجوة من خلال شراء سندات إسبانية وإيطالية في السوق، لكن هذا لا يشكل حلا عملياً. فقد قام المصرف المركزي الأوروبي بالشيء نفسه بالنسبة للسندات اليونانية، لكن هذا لم يمنع الدين اليوناني من أن يصل إلى مستويات غير محتملة. وإذا توجب على إيطاليا، في ظل دين يشكل 108% من الناتج المحلي الإجمالي ونمو باقل من 1%، دفع أقساط مخاطر نسبتها 3% أو اكثر للاستدانة، فإن دينها سوف يصل بدوره إلى مستويات غير قابلة للتحمل.

وحاليا تواجه الحكومة اليونانية مزيدا من الصعوبات في تلبية الشروط المفروضة عليها من قبل برنامج المساعدات، في الوقت الذي لا يبدو أعضاء الترويكا الذين يشرفون على البرنامج، الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمصرف المركزي الأوروبي، راضين عن تطور الأوضاع، فالمصارف اليونانية لم تستكتب بالكامل في المزاد الأخير لسندات الخزانة، في الوقت الذي نفدت أموال الحكومة اليونانية.

وفي ظل هذه الظروف، فإن عملية تخلف عن السداد، تجري بشكل منظم، وانسحاب مؤقت من منطقة اليورو، قد يكونا الحل المفضل على حالة العذاب المطول. لكن، إلى الآن، فإنه لم تجر أي استعدادات لهذا الأمر، في الوقت الذي قد يؤدي أي تخلف عن السداد بشكل غير منظم إلى تعجيل الانهيار الذي سيكون شبيها بانهيار مصرف ليمان براذرز وما تلاه من تداعيات، لكن هذه المرة، فإن احدى السلطات المطلوبة بإلحاح لكبح الانهيار غير موجودة.

لا عجب إذن من أن تصاب الأسواق المالية بالذعر. فأقساط المخاطر التي يتوجب دفعها لشراء السندات الحكومية ازدادت، في الوقت الذي انخفضت الأسهم بقيادة اسهم المصارف، وأخيرا فقد انطلق اليورو متراجعا عن معدل نطاق تبادله، وتذكر تقلبات الأسواق الحالية بانهيار عام 2008.

وحاليا تقوم السلطات بكل ما تستطيع القيام به في سبيل تأخير الانهيار الفوري، ويلبي اليونانيون مطالب الترويكا في سبيل الحصول على الدفعة المقبلة من حزمة الإنقاذ، ويجيز المصرف المركزي الأوروبي للمصارف الاستدانة بالدولار لمدة تصل إلى ثلاثة اشهر بدلا من أسبوع واحد، كما كانت عليه الحال من قبل، ومع موافقة البرلمان الألماني على زيادة أموال صندوق الاستقرار المالي الأوروبي، فإن مجمل هذه الخطوات سوف تؤخر ذروة الأزمة من شهر سبتمبر إلى شهر ديسمبر.

إن قدرة السلطات المالية على اتخاذ إجراءات إضافية تم الحد منها بشكل خطير، جراء القرار الأخير للمحكمة الدستورية الألمانية. وهذا يفترض تغيرا جذريا في قلب أوروبا لاسيما في ألمانيا، لكن لا زال الشعب الألماني يظن ان لديه خيار دعم اليورو أو التخلي عنه. وهذا أمر لا يجوز، فاليورو موجود، أما الموجودات والمطلوبات للنظام المالي، فإنها باتت متداخلة في العمق على أساس العملة الموحدة، بحيث ان أي انهيار لليورو سوف يسبب انهيارا يفوق قدرة السلطات على التحكم به، أو استيعابه، وكلما طالت الفترة ليدرك الشعب الألماني ذلك، ازداد الثمن الذي يتوجب على العالم وعلى ألمانيا دفعه.

والسؤال يتعلق هنا بالقدرة على إقناع الشعب الألماني بهذه القضية. قد لا تستطيع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إقناع ائتلافها الحاكم، لكن بإمكانها الاعتماد على المعارضة، وبعد حل أزمه اليورو، فإنها ستكون في مأمن حيال الانتخابات المقبلة.

خيارات

واعتماد تدابير تأخذ بالحسبان إمكانية التخلف عن تسديد الدين أو احتمال خروج الدول الصغرى الثلاث من منطقة اليورو، لا يعني التخلي عن هذه الدول. بل على العكس، فالتخلف عن السداد بشكل منظم، مدفوع ثمنه من قبل دول منطقة اليورو الآخرين وصندوق النقد الدولي، يمكنه أن يقدم لليونان والبرتغال خيارات في السياسات. بالإضافة إلى ذلك، سوف ينهي الحلقة المفرغة التي تهدد الآن كل دول العجز في منطقة اليورو، حيث التقشف يضعف آفاق نموها، مما يؤدي بالمستثمرين للمطالبة بأسعار فائدة مرتفعة باهظة، ويجبر حكوماتها على المزيد من خفض الإنفاق.

كما ان الخروج من اليورو يسهل لهذه الدول إمكانية استعادة تنافسيتها، لكن بافتراض أنها على استعدادا لتقديم التضحيات الضرورية، فإن بإمكانها البقاء في اليورو أيضا. وفي كلتا الحالتين، سيحمي صندوق الاستقرار المالي الأوروبي الودائع المصرفية، ويساعد صندوق النقد الدولي في إعادة رسملة النظام المالي، وهذا سيساعد تلك البلدان في الفرار من الفخ الذي تجد نفسها فيه. والسماح لهذه البلدان بالانهيار وجر النظام المصرفي الدولي معها، سيكون في غير صالح الاتحاد الأوروبي.

وتفاصيل المعاهدة الجديدة يفترض أن تقرها الدول الأعضاء في اليورو، لكن يتعين البدء بالمباحثات فورا، لأن الانتهاء من هذه المعاهدة، حتى تحت الضغوط، سيستغرق وقتا طويلا. وبمجرد الاتفاق على مبدأ تشكيل خزينة أوروبية، فإن بإمكان المجلس الأوروبي أن يأذن للمصرف المركزي الأوروبي بالتقدم لردم الهوة مع التحوط سلفا صد خطر التعسر، وهذه هي الطريقة الوحيدة لوقف أي انهيار مالي محتمل وكساد كبير آخر.

ترجمة: نهى حوّا