كان لدى مجموعة العشرين فرصة الإمساك بزمام أزمة الديون السيادية، لكنها أخفقت في ذلك، وكل القضايا الكبيرة لا تزال مطروحة على طاولة البحث، وللأسف لم يستطع اجتماع قمة مجموعة العشرين القيام بذلك، لكن يبقى من المهم عدم المبالغة في إظهار فشل اجتماع كان الأخير بفرنسا.

فهذا الفشل ليس نهاية العالم، والقمم هي عبارة عن عملية تفاوض جارية، وليست حربا تستخدم فيها الأسلحة لمرة واحدة، وتنتهي بالفوز بكل شيء أو لا شيء، لكن من الأهمية على حد سواء عدم المبالغة في إبراز الفرص المفقودة والنتائج الخطرة المترتبة عن ذلك أيضا. والحقيقة الأساسية حول قمة مجموعة العشرين في كان، أنها، تماما كما قمة بروكسل قبلها، كان لدى دول العالم الفرصة لإحكام قبضتها على أزمة الديون السيادية الأوروبية، وجعلتها تفلت من يديها. وبالتالي، فإنه محكوم على هذه الدول المحاولة من جديد، علما بأن سياق الأحداث قد لا يجعل الأمور اكثر يسراً في المرة المقبلة، بل ربما أكثر سوءا في الواقع. وليس هناك من عذر أسهل من إلقاء اللوم على اليونان، فلو لم يقم رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو بتخريب أعمال اجتماع بروكسل بإعلانه الاستفتاء على حزمة الإنقاذ أخيرا.

كما يقال، لكانت ألمانيا وفرنسا جاءتا إلى كان، وفي جعبتهما بيان جديد مضيء لمنطقة اليورو لتسويقه لكل من الصين وغيرها، وهذه الأقاويل لا تنطلي على أحد. لكن توقيت باباندريو على الرغم من كونه ليس تجليا لغرائزه الديمقراطية، كان رهيبا، وبمعزل عن كيفية تأطير الموضوع، يبقى عدم استقرار اليونان أمرا أكيدا في هذه الأزمة. والمشكلة الأكبر هي ان خطة الإنقاذ الأوروبية المؤلفة من ثلاثة أجزاء كانت عبارة عن واقع افتراضي وليست أموالا موضوعة على الطاولة، وكانت تتعلق بقضية حقوق صاحبها بيان يفتقر إلى الأرقام الحقيقية المؤكدة.

لكن الخطة لم تكن سيئة، وكانت بالطبع مفيدة لمنطقة اليورو وأكسبت المنطقة بعض الوقت، لكنها لم تكن مناسبة إجمالا. كانت تحوي التزامات قابلة للتمويل والقياس الكمي حول اليونان وإيطاليا وحول إعادة رسملة المصارف وحول صندوق الاستقرار الخاص باليورو. وواقع ان الاتحاد الأوروبي كان مجبرا على المجيء إلى اجتماع قمة العشرين للمساعدة شكل دلالة على ان الاتحاد الأوروبي كان يخفق في استجماع قوته، وربما غير قادر على حل مشكلاته بنفسه.

واطلاق مثل هذه الأحكام يمكن ان يطال اجتماع قمة مجموعة العشرين أيضا. كان بيانها عبارة عن وثيقة حل وسط ومساومة، كما هو الحال دوما. لكن التوصيات بالكاد خرجت عن العموميات على سبيل المثال يقول البيان: «نلتزم جميعا بإجراء إصلاحات هيكلية لرفع الإنتاج في بلداننا»، لكن من سيلتزم وبماذا بالتحديد؟ الجملة الأكثر أهمية في البيان، على اقل تقدير بالنسبة للمشككين في اليورو والمصابين بجنون العظمة تقول الآتي: «سوف نضمن استمرار صندوق النقد الدولي في الحصول على الموارد للقيام بدوره المنهجي لصالح كل أعضائه» لكن كم من الموارد مطلوب؟

ومن أين ستأتي هذه الموارد؟ وأين سيجري إنفاقها؟ وحتى الالتزام الإيطالي الملموس ظاهريا بدعوة صندوق النقد الدولي «للتحقق من تطبيق السياسات» يفتقر إلى الأسس التي تدعم تعهد إيطاليا بإعادة هيكلة ديونها. ويبقى أي اجتماع قمة أفضل من عدم انعقاد أية قمة على الإطلاق. ومن المهم أيضا ان تكون لدينا توقعات واقعية حول قدرة دول ذات مصالح مختلفة تحكمها في الغالب ائتلافات حكومية، على اتخاذ تحركات تحدث تحولا جماعيا. لكن إذا لم تقم تلك الدول بهذه الخطوات فمن سيقوم بها؟ وإذا لم تقم بهذه الخطوات الآن، فمتى؟ إن اجتماع القمة الأخير في كان، لم يؤمن إلا القدر اليسير من الإجابة على هذه الأسئلة، وكل القضايا الكبرى لا زالت على طاولة المفاوضات تنتظر الاجتماعات المقبلة.

 

أوهام مبددة

 

قد يبدو من التقارير المتوفرة عن قمة مجموعة العشرين المنعقدة في كان بفرنسا، أن القمة لا تتعلق إلا بتصحيح أوضاع مصارف أوروبا والماليات الحكوميات فيها، لكن في الحقيقة، إن كل اجتماع لمجموعة العشرين يفترض ان يكون أيضا حول معدلات النمو العالمي المتدنية.

واجتماع «قمة كان» الأخير خيب الآمال على هذا الصعيد. فالبيان يتحدث عن خطة عمل للنمو والوظائف، لكن أين هذه الخطة؟ وهناك التزامات واهية حول اتخاذ «التدابير الاستنسابية لدعم الطلب الداخلي إذا ما تدهورت الظروف الاقتصادية عمليا». وهناك التزام صيني ضمني «بزيادة الطلب الداخلي المترافق مع مرونة متزايدة في معدلات سعر صرف العملة»، وكل هذه الإجراءات تبدو متماسكة فنيا مع أي اتفاق لتنمية الاقتصاد، لكن التظاهر بأنها، تشكل خطة عمل منسقة وذات مصداقية للدول لحشد قواها واللحاق بالأسواق، يعد أمرا خاطئا ببساطة.

.. وتعجز عن إيجاد الحلول الاقتصادية

تم إطلاق مجموعة العشرين من الجمرة التي اكتوى بها الاقتصاد العالمي عام 2008، وإطلاقها يعد إقرارا بأن العالم يحتاج إلى آلية جديدة لمعالجة الشؤون الاقتصادية، حيث باتت مجموعة الثماني، التي لعبت هذا الدور منذ ثمانينات القرن الماضي، عتيقة الطراز وغير قادرة على التعامل مع المخاوف الاقتصادية الناشئة حديثا، وبالأخص لأن عضوية هذه المجموعة لم تعد تعكس القوة الاقتصادية والنفوذ القائمين حاليا.

لكن منذ اجتماعها الأول الذي توافق خلاله قادتها على وقف النزف القوي الذي كان يهدد بحالة كساد عالمي جديد، فإن مجموعة العشرين برهنت على كونها غير فعالة تماما كما سابقتها، والاجتماع الأخير لم يخرج عن هذا السياق.

فبعد يومين من المحادثات في «كان» بفرنسا، وافق القادة على «خطة عمل» تعزز النمو الاقتصادي والنظام المالي العالمي، لكن التفاصيل الخاصة بتلك الخطة لم تكن واضحة، كما أن التزامات التحرك يفترض ان تكون «مفصلة بناء على الظروف الخاصة بكل بلد». وهذا التحوط الذي يخدم جميع الأطراف يقوض مصداقية تحرك المجموعة كثيرا.

 

البند الأكثر إلحاحاً

وكانت اليونان البند الأكثر إلحاحا على قائمة الاجتماع، فالدولة تتعاطى باستخفاف مع الإفلاس في الوقت الذي تتصاعد المعارضة الشعبية لخطط التقشف المطلوبة كشرط لتقديم المساعدة لها، ولقد أوجد رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو، ازمه مصغرة أخيرا عندما دعا إلى استفتاء على الخطة الاقتصادية، وهذه الخطوة حطمت ثقة الأسواق حيث ان التصويت بالرفض، وهو الذي يبدو مرجحا، كان بمقدوره تحطيم اليورو. ولقد ألغى إعلانه خلال أيام، لكن الخطوة فاقمت الشكوك حيال زعامته والتزام اليونان بعملية الإصلاح. وأخيرا، وافق كل من باباندريو وزعيم المعارضة أنطونيوس ساماراس على قيام رئيس الوزراء بالتنحي من منصبه وتشكيل حزبهما حكومة ائتلافية جديدة.

ومصير إيطاليا يثير القلق أيضا، فالاقتصاد الإيطالي هو ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا، وتكلفة ديونه الضخمة تزداد باضطراد حيث يشك الدائنون في ان تستطيع روما تسديد قروضها المقدرة بحوالي 2.5 تريليون دولار. وكان رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني قد حوصر من كل الجهات وتفكك ائتلافه الحاكم وأصبحت مصداقيته أمام قادة أوروبا ضعيفة جدا، مما دفعه إلى الاستقالة من منصبه.

وفي اجتماع كان، وافقت إيطاليا على السماح للمراقبين الدوليين بمتابعة تطور الإصلاحات المالية، وكان القادة الأوروبيون يضغطون على برلسكوني منذ فترة على هذه النقطة. ولإنقاذ ماء الوجه، قامت روما «بدعوة» المراقبين رسميا، لدراسة تطور أوضاعها المالية كل ثلاثة اشهر، وهذا يعني ان اربع حكومات أوروبية وهي، اليونان وإيرلندا وإيطاليا والبرتغال، سوف تخضع لمراقبة صندوق النقد الدولي، هكذا سيراقب الصندوق دفاتر إيطاليا عن كثب، في الوقت الذي لم يأخذ الضوء الأخضر لتجميع الموارد اللازمة للتعامل مع الأزمات المستجدة، وكان هناك اتفاق على حاجة هذه المؤسسة إلى المزيد من الأدوات والأموال، لكن القادة لم يتمكنوا من الوصول إلى اتفاق جماعي أو إجماع على التفاصيل المتعلقة بهذا الخصوص.

ومن المتوقع اتخاذ قرارات حازمة السنة المقبلة. فإعلان المجموعة العشرين يقول الآتي: «يتعين على صندوق النقد الدولي العمل على حساب خاص يمكن تخصيصه لمنطقة اليورو خلال الأشهر الثلاثة المقبلة». وهناك أهمية موازية تتعلق بالحاجة إلى موارد لمساعدة الغير، لاسيما البلدان الأصغر حجما التي تهتز تحت وطأة التطورات التي تشهدها الاقتصادات الأكبر حجما.

 

موقف الصين

وكان هناك كلام قبل المؤتمر عن إمكانية قيام حكومات أخرى، وبالتحديد الصين، بالمساهمة في صندوق الاستقرار الأوروبي، لكن المسؤولين الصينيين سرعان ما خفضوا من توقعات تلك الآمال، وتحفظهم حول الموضوع ليس أمرا غريبا.

فالصين ليست معنية بدفع فاتورة منطقة اليورو في الوقت الذي يبدي الأوروبيون عدم استعدادهم للقيام بذلك. ويتعين على الصين ان تقدم العون وكذلك اليابان وروسيا والولايات المتحدة وغيرها من الدول والمنظمات أصحاب المصلحة في النظام الاقتصادي العالمي، لكن ليس قبل قيام الأوروبيين أنفسهم بحل مشكلاتهم، حيث تبدو الخطوة الأولية والحرجة في هذا الموضوع مفقودة.

ويتضمن إعلان مجموعة العشرين بنودا تتعلق بتحفيز النمو ودعم الطلب الداخلي وإحداث توازن افضل للاقتصاد العالمي، وهذه البنود كانت من الرواسخ المتضمنة في البيانات الاقتصادية لعقود، في الوقت الذي كان التقدم عابرا في افضل الأحوال.

إن عدم وجود رغبة لدى الحكومات في الالتزام بتحرك حازم ليس أمرا غريبا، في الوقت الذي يستدعي مفهوم القيادة الدولية رؤية دول العالم للأمور من زاوية أوسع تتخطى إطار المصلحة الوطنية، وتأمين السلع والخدمات العامة.

ان أكثر التعبيرات التصاقا بموضوع التركيز على المخاوف الداخلية، هو تعبير التلاعب بسعر صرف العملة. ويلحظ إعلان المجموعة العشرين ان الصين وافقت على المضي قدما في «قابلية تحويل عملتها» تدريجيا وانها سوف «تبطئ معدل مراكمة الاحتياطات»، وتعتبر هذه المرة الأولى التي يذكر فيها إعلان لمجموعة العشرين دولة الصين باسمها في سياق الحديث عن قابلية تحويل العملة.

والطلب من بكين للقبول بسعر صرف عملة يخضع لآليات السوق سيكون له مصداقية اكبر لو لم تكن اليابان تتدخل في أسواق العملات الأجنبية لوقف ارتفاع عملة الين التاريخي، لكن الواقع لا يتبع النظرية بالضرورة. يقول رئيس الوزراء الياباني يوشيهيكو نودا انه لم يكن هناك أي تعليق من قبل قادة الدول الاخرين، عندما أوضح لهم تحركات اليابان في الاجتماع. وهذا من دون شك يثلج صدور واضعي السياسات اليابانيين، لكنه يعرض مجموعة العشرين مجددا لاتهامات تتعلق بافتقارها إلى التماسك والقدرة على القيادة.

 

تخوف مباشر

 

يتعلق التخوف المباشر لمجموعة العشرين في قمة «كان» بأزمة منطقة اليورو. وتقع المسؤولية الرئيسة في إصلاح وضع اليورو على عاتق الدول الأوروبية، لكن دولا خارج إطار منطقة اليورو بمقدورها فعل المزيد لمساندة الحكومات الأوروبية، إما من خلال دعم صندوق الاستقرار الأوروبي والذي يعتبر الملاذ الأخير للإقراض،

أو زيادة موارد صندوق النقد الدولي، وإما باتخاذ تحركات ملموسة في سبيل دفع اقتصاداتها قدما لتحسين أوضاع الاقتصاد العالمي، غير أنه بدلا من ذلك، قام كل عضو من أعضاء هذه المجموعة بإعلان التزامه «القيام بدوره» فقط.