تتواصل حلقات الصراع في شبه الجزيرة الكورية بين الجارتين الشمالية والجنوبية وسط تطورات للأحداث تظهر بشكل صارخ واقع شبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا، ويتخذ هذه المرة شكلاً جديداً.
فمن ناحية، لا يزال الوضع في المنطقة متسماً بالتقلب في الوقت الذي تستمر كوريا الشمالية في امتلاك أسلحة دمار شامل وعمليات التحديث للقوات العسكرية على امتداد المنطقة، الأمر الذي يعمل على تصعيد حدة الأزمات الأمنية التي تجتاح ذلك الجزء من آسيا.
ومن ناحية أخرى، فإن التطور الهائل الذي يوصف أحياناً بأنه "المعجزة على نهر هان"، جنباً إلى جنب مع صعود الصين، قد أصبح دافعاً رئيسياً للاقتصاد العالمي خلال العقد الماضي.
يتواجد هذان الاتجاهان المتناقضان جنباً إلى جنب في آسيا، وذلك في شكل ثورة المعلومات والعولمة والديمقراطية التي تتصادم مع الغرائز التنافسية لدى القوى الكبرى في المنطقة. ولضمان نجاح أول مجموعة من القوى، فلابد أن تكون استفادة صناع القرار في آسيا والمجتمع الدولي مقصورة على المبادرات القائمة فحسب، ولكن أيضاً يتعين تبني نهج أكثر جرأة وأكثر إبداعاً لتحقيق الأمن.
وبدون مثل هذا الجهد، فإن سياسة حافة الهاوية العسكرية ربما تزيد، مع حدوث تداعيات تتجاوز حدود آسيا.ولهذا السبب، فإن بناء الثقة والسلام الدائم في شبه الجزيرة الكورية يمثل واحدة من أكثر المهام الملحة والجوهرية على قائمة التحديات الأمنية العالقة في آسيا.
ولا تعني سياسة الثقة المتبادلة بناء ثقة غير مشروطة من جانب واحد أو من دون التحقق منها. كما ان ذلك لا يعني التغاضي عن تجاوزات عديدة قامت بها كوريا الشمالية أو مكافأة البلاد بحوافز جديدة. وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تبنى الثقة المتبادلة على شقين متآلفين هما: أولاً، يتعين على كوريا الشمالية الحفاظ على الاتفاقات التي أبرمتها مع كوريا الجنوبية والمجتمع الدولي لوضع حد أدنى من الثقة.
وثانيا، يجب أن تكون هناك عواقب مؤكدة نتيجة للإجراءات التي تخرق السلام بين الجانبين. ولضمان تحقيق الاستقرار، ينبغي تطبيق سياسة الثقة المتبادلة باستمرار من قضية إلى أخرى وفقاً لإجراءات قابلة للتحقق منها، وينبغي ألا يتم اتخاذ خطوات فقط من أجل تحقيق مصالح سياسية بحتة.
البحث عن الثقة
لقد تم إنجاز بناء الثقة بين دول متنافسة من قبل. فقد نجحت الولايات المتحدة والصين في تجاوز حالة الريبة المتبادلة بينهما لكي يتم إقامة علاقات وطيدة خلال عقد السبعينات.
ووقعت مصر واسرائيل اتفاق سلام في عام 1979 بعد عملية متدرجة لبناء الثقة بين الجانبين، والاتفاق لا يزال يمثل محوراً للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وحتى بعد التغيير في نظام الحكم في مصر في وقت سابق من هذا العام.
وفي الخمسينات من القرن الماضي، تجاوزت الدول الاوروبية نصف قرن من الحرب لكي يتم انشاء الاتحاد الأوروبي فيما بعد.
وعلى الرغم من الطابع الفريد للبيئة الثقافية والتاريخية والجيوسياسية في آسيا، إلا أن القارة يمكنها أن تستخلص الدروس من تلك الحالات السابقة، ولا سيما تجربة أوروبا.
يتعين أولاً على الدول الآسيوية إبطاء عملية تصنيع الأسلحة المتسارعة، والحد من التوترات العسكرية، وتأسيس نظام أمني يقوم على التعاون الأمر الذي من شأنه تعزيز الاتفاقات الثنائية القائمة والمساعدة على حل التوترات المستمرة في المنطقة.
أضف إلى ذلك، ينبغي على هذه الدول أن تعزز الأنظمة المتعددة الأطراف القائمة، مثل المنتدى الاقليمى آسيان، الذي يعتبر حواراً رسمياً بين 27 دولة حول القضايا الأمنية في شرق آسيا، ومؤتمرات القمة الثلاثية التي تقوم من خلالها الصين واليابان وكوريا الجنوبية بالتنسيق فيما بينها في السياسات المشتركة، و منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي.
ولا شك أن هذه الجهود مجتمعة سوف تساعد في بناء شبكة أمن آسيوية أكثر مرونة وبناء الثقة والأمن في شبه الجزيرة الكورية.
ولا شك أن مثل هذه المساعي سوف تستغرق وقتاً. ولكن إذا استطاعت كوريا الشمالية والجنوبية وبلدان آسيوية أخرى إضفاء الطابع التنظيمي على تدابير بناء الثقة، فإن ذلك سوف يعزز من احتمالات أن يتفوق التعاون الاقتصادي والسياسي على التنافس العسكري والأمني.
ومن أجل تطبيق مثل هذه السياسة، يتعين أن تثبت كوريا الجنوبية أولاً ، عن طريق اتخاذ موقف رادع و قوي وموثوق به، أنها لن تتسامح مع استفزازات كوريا الشمالية العنيفة على نحو متزايد. يجب أن تظهر لبيونغيانغ أن كوريا الشمالية سوف تدفع ثمناً باهظاً على تهديداتها العسكرية والنووية. وهذا النهج ليس جديداً، ولكن من أجل تغيير الوضع الحالي، يجب فرض هذا النهج بقوة أكبر مما كانت عليه في الماضي.
الملف النووي
يتعين على سيؤول حشد المجتمع الدولي لمساعدتها على تفكيك برنامج بيونغيانغ النووي. ولا يمكن تحت أي ظرف لكوريا الجنوبية أن تقبل بوجود كوريا الشمالية المسلحة نووياً. كما أن التسلح النووي لكوريا الشمالية يشكل تهديداً رئيسياً للمجتمع الدولي لأن بيونغيانغ بمقدورها تطوير صواريخ بعيدة المدى تحمل رؤوساً نووية أو نقل التكنولوجيات والمواد النووية من الخارج.
ومن خلال مزيج من الردع والإقناع المضني، واستراتيجيات تفاوض أكثر فعالية، لابد أن تعمل سيؤول والمجتمع الدولي على حمل بينغيانغ لكي تدرك أنها يمكنها أن تحقق الازدهار من دون استخدام أسلحة نووية. فلو أن كوريا الشمالية قامت بإجراء تجارب نووية إضافية، فإنه يجب على كوريا الجنوبية النظر في جميع أشكال الرد الممكنة بالتشاور مع حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة، وغيرها من الشركاء الرئيسيين الدوليين.
وفي الوقت الذي تعمل سيؤول وحلفاؤها على تعزيز قوتهم العسكرية ضد سياسة حافة الهاوية النووية التي تتبعها كوريا الشمالية، يتعين عليهم أيضا أن يكون لديهم الاستعداد لإتاحة الفرصة لبيونغيانغ في بداية جديدة. ويمكن بناء الثقة استناداً إلى مكاسب إضافية، مثل المشروعات المشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي والمساعدة الإنسانية المقدمة من كوريا الجنوبية إلى الشمالية، و توفير فرص جديدة للتجارة والاستثمار.
ومنذ ثماني سنوات، جرت مناقشة مجموعة من القضايا بين الجانبين، بما في ذلك مشروع السكك الحديدية الآسيوية الذي من شأنه إعادة ربط السكك الحديدية العابرة بين الكوريتين، حيث تعرض للقطع منذ الحرب الكورية، و ربطه بخطوط سكك حديد سيبيريا والصين العابرة.
وتعتبر إعادة ربط السكك الحديدية الكورية شاهداً على التعاون التنموي المشترك والسلام بين الكوريتين. فلو تم ربط هذا الخط في ذلك الوقت بخطوط إقليمية أخرى، لساعد ذلك في تطوير ثلاث مقاطعات في شمال شرق الصين ومناطق في أقصى الشرق من روسيا، وبالتالي ربما ساعد ذلك في تحويل شبه الجزيرة الكورية إلى ممر للتجارة الإقليمية. وعلى الرغم من أن التوترات قد أخّرت إجراء مزيد من المناقشات حول مشروع السكك الحديدية في السنوات الأخيرة، فإنه يمكن إعادة تشغيل هذه المشروعات كوسيلة لبناء الثقة في المسائل الأمنية الحيوية.
لقد تعايشت الحقيقتان، وهما الرخاء والتوتر العسكري، على مدى السنوات الـ 60 الماضية في شبه الجزيرة الكورية. وفي خضم الحرب وأحلك الظروف، تلقت كوريا الجنوبية مساعدة جوهرية من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ما دفع التنمية الاقتصادية والديمقراطية فيها.
فقد شهدت تقدماً على نحو سريع جداً، حتى أنها أصبحت في عام 2009 أول دولة متخلفة معتمدة على المساعدات عضواً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ولجنة المساعدة الإنمائية. تلتزم كوريا الجنوبية بنزع السلاح النووي، وتشارك في مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل الأخرى، وتساهم بشكل متزايد إلى المبادرات العالمية، مثل جهود إعادة الإعمار في أفغانستان والعمليات البحرية لمكافحة القرصنة في منطقة القرن الإفريقي.
تعاون مفقود
وتلعب الثقة المتواصلة بين المجتمع الدولي وكوريا الجنوبية دوراً في التنمية بالنسبة لسيؤول. ولكي يتحقق النتيجة نفسها مع كوريا الشمالية يتعين على كوريا الجنوبية اعتماد مبدأ الثقة المتبادلة وسياسة التوافق. وبمجرد التغلب على آثار المواجهة الحادة بين سيؤول و بيونغيانغ، يمكن أن تبرز شبه الجزيرة الكورية كمركز للتعاون و الرفاه الاقتصادي.
وفي حال تخلت كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية و تصرفت بشكل سلمي، بوسعها العمل مع جارتها الجنوبية من أجل تحسين التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال مناطق اقتصادية خاصة وحرية نقل البضائع والأشخاص ، و الحصول على دعم تنموي من مؤسسات عالمية مثل البنك الدولي.
يؤكد الكثيرون على أنه في السنوات المقبلة سوف تشهد شبه الجزيرة الكورية حالة من عدم الاستقرار. لكن الكوريين أثبتوا أنهم بإمكانهم تحويل التحديات إلى فرص تاريخية. ففي خلال عقدي الستينات و السبعينات من القرن الماضي، اختارت كوريا الجنوبية تطوير قدراتها من خلال التصنيع السريع.
وفي عقد التسعينات، عملت على توسيع وتعميق علاقاتها مع البلدان والمناطق التي كانت تشترك معها خلال الحرب الباردة، مثل الصين وأوروبا الشرقية وروسيا. وعلى مدى العقد الماضي، بزغت كوريا الجنوبية كواحدة من الديمقراطيات الأكثر حيوية في آسيا. واليوم تبرز كوريا الجنوبية على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في المجتمع الدولي لضمان أن كوريا الشمالية تنتهج المسار نفسه.
