نمو الاقتصاد الصيني لم يسبق له مثيل في العالم، بل هو عجائبي بكل المقاييس. فقد نما هذا الاقتصاد بمعدل بلغت نسبته 9.6% سنويا ما بين الأعوام 1990 و2010 استنادا إلى إحصاءات صندوق النقد الدولي، وفي بداية الأزمة المالية العالمية الأخيرة، تخوف كثيرون من توقف محرك النمو في الصين، لكن، في النهاية، تبين ان الأزمة الاقتصادية العالمية مطب صغير على طريق النمو الاقتصادي الصيني.

ومعظم الاقتصاديين لا زالوا يتوقعون نموا سريعا للبلاد مستقبلا على الرغم من تفاقم ضغوط التضخم واحتمال انفجار فقاعة العقارات، وهذه التوقعات، على اختلافها، تشارك وجهة النظر نفسها التي تشير إلى أن النمو الصيني سيكون سريعا، إذا لم يكن بالسرعة التي كان عليها، وان معدل النمو هذا سيستمر عقوداً.

وتستند هذه التوقعات إلى إسقاطات بناء على نماذج اقتصادية مدروسة بعناية، لكن ما ان تتحول السنوات إلى عقود، حتى تصبح مثل هذه الفرضيات عرضة للتشكيك، ذلك ان النماذج تتنبأ بالنتائج الاقتصادية بالاستناد إلى مستوى المدخلات الاقتصادية المتوقعة، لكن المدخلات الاقتصادية تتغير مع الوقت، واقتصاد الصين يتطور بسرعة، من زراعة الكفاف إلى الصناعات الملوثة، ومن الإلكترونيات المتقدمة إلى الخدمات الاستهلاكية. وفي لحظة محددة في المستقبل، فإن معدلات النمو الكبيرة للصين سوف تتباطأ وتعود إلى مستويات تعادل مستويات النمو التي تحققها البلدان الأخرى التي يمكن مقارنتها بالصين.

 

المهمة الشاقة

والنماذج الاقتصادية تميل إلى التبسيط، ذلك أن النمو يصبح أكثر صعوبة مع تطور البلدان، وعندما تنتقل الاقتصادات صعودا في هرم تسلسل القيمة على الصعيد الدولي، فإن عملية الارتقاء من إنتاج السلع الصناعية البسيطة إلى الاعتماد على الإبداع في تطوير صناعات جديدة، تصبح عملية بطيئة. فقد استغرق كوريا الجنوبية 30 عاما، من 1960 إلى 1990، لتزيد نصيب الفرد من ناتجها المحلي الإجمالي من معدل 1:30 إلى ثلث نصيب الفرد من الناتج المحلي في الولايات المتحدة، وعشرون سنة إضافية للانتقال من ثلث إلى نصف نصيب الفرد من الناتج الأميركي.

 وكوريا الجنوبية اليوم لا يزال أمامها شوط طويل للحاق بأميركا، ولقد استطاعت اليابان اللحاق بالغرب، وتفوقت عليه في بعض المجالات في فترة الثمانينات، لكن نموها ما لبث أن تناقص، ومنذ عام 1990، ينمو اقتصادها بمتوسط واحد بالمئة سنويا.

ولا يوجد دولة متوسطة الحجم أو كبيرة باقتصاد متنوع ضاهت إنجازات اليابان. لكن حتى النموذج الياباني يطرح تساؤلات حيال نمو البلاد السريع ولحاقها بالغرب، ذلك أن اليابان حققت معظم تقدمها قبل الحرب العالمية الثانية. وتماما كما الدول الغربية المتقدمة، حققت الصين تقدمها في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وجزئيا من خلال الاضطهاد الاستعماري.

وقد دمر اقتصادها في الحرب العالمية الثانية، ونموها السريع ما بعد الحرب أعادها إلى مستواها ما قبل الحرب. بتعابير أخرى، لا يوجد مثال اليوم لدولة تأخذ مسار النمو السريع جدا إلى مقدمة الاقتصاد العالمي، وهذا يزيد الشكوك حول ما إذا كانت الصين بمقدورها ان تكون ذاك الاستثناء غير المرجح.

يقول المؤرخ الاقتصادي أنغوس ماديسون، إن الصين وصلت إلى المساواة أو التكافؤ مع الغرب آخر مرة خلال فترة رحلات ماركو بولو. وبدأ تراجع الصين التدريجي بالمقارنة مع الغرب في فترة تسبق بكثير الثورة الصناعية والاستعمار الغربي، وحتى تحولها نحو الداخل في القرن السادس عشر. والقصة الكاملة للقرون الخمسة الماضية لا تدور حول تراجع الصين المطلق بقدر ما تدور حول تقدم الغرب النسبي خلال الفترة 1500- 1800.

واستنادا إلى ماديسون، فإنه بحلول 1820، كان نصيب الفرد من الدخل الوطني الصيني، أقل من نصف معدل الدول الأوروبية، على أساس تعادل القوة الشرائية، أما موقع الصين على أساس العملة الصعبة فيبدو أسوأ بكثير، حيث تشير إحصاءات البنك الدولي، إلى تشكيله خلال الأعوام 1976-1994، أقل من 2% من الناتج المحلي مقارنة بمثيله في أميركا، والآن، فإنه ما زال دون نسبة 10%.

بتعابير أخرى، لم يؤدّ النمو الاقتصادي الصيني الهائل خلال العقدين الماضيين إلا لإعادة البلاد إلى موقعها عام 1870.

 

المنافع

وتبسيط النماذج الاقتصادية حيال توقعات صعود الصين يكمن أيضا في ميلها إلى تجاهل النمو الذي تحقق في السابق، والعوائق السياسية والبيئية والبنيوية التي ستحد من نمو الصين في المستقبل. والصين الآن هي في موقع سياسي وعسكري اقوى بكثير مقارنة بالغرب مما كانت عليه عام 1970، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها ستنمو لتصبح أغنى دولة في العالم؟

كان صعود الصين الدراماتيكي على مدى عشرين سنة الماضية نتيجة لمنفعتين منحتا لها لمرة واحدة: انخفاض معدل الخصوبة وزيادة أعداد سكان المدن. وهذان العاملان أديا إلى زيادات هائلة في الإنتاجية الاقتصادية، لكنهما مساران محدودان لا يمكن الاعتماد عليهما في المستقبل. فلا تستطيع الصين الانتقال إلى سياسة تمنع انجاب الأطفال بتاتا، والتمدن أيضا مسار له حدود طبيعية تماما مثل تدني الخصوبة، ولا زال مستوى الصين من التمدن دون مستوى الدول الغربية، والتوسع الحضري في الصين لا يشير إلى تباطؤ.

وبحسب معدلات النمو الحالية، فان التمدن في الصين لن يستطيع اللحاق بالتمدن في الغرب أو أميركا اللاتينية إلا في عام 2040. لكن ما شكل هذا التوسع؟ ومدن الصفيح الضخمة تتشكل على اطراف بكين وشانغهاي وغيرها من المدن الصينية! وبات أمرا مؤكدا أن الأيام التي كان فيها التمدن يشكل رافعة للنمو الاقتصادي قد شارفت على نهايتها.

 

القيود البنيوية

بالإضافة إلى ذلك، تواجه الصين قيودا سياسية وبيئية وبنيوية سوف تحد من نموها الاقتصادي في المستقبل، على سبيل المثال، يعتقد كثير من المحللين أن الصين لن تكون قادرة على أن ترتقي في تسلسل القيمة المضافة إلا إذا انفتحت في سياساتها. والحجة التي تساق على ذلك تفيد بان نشاطات القيمة المضافة المرتفعة مثل العلامات التجارية والتصميم والإبداع، تتطلب حيزا من التفكير الحر الذي لا يمكن ان يكون إلا في المجتمعات الديمقراطية. يمكن للصين ان تعلم مئات الألوف من المهندسين، لكن إذا استمرت في خنق إبداعاتهم، فإنهم لن يحققوا نجاحا على المستويات العليا من الاقتصاد العالمي.

أما العائق البيئي لنمو الصين، فقد تم تسجيل أحداثه بشكل موثق، حيث تقدر منظمة الصحة العالمية ان التلوث البيئي في الصين يقتل 656 الف شخص سنويا وان تلوث المياه يصيب ما يقرب 95600 شخص، وتقدر وزارة الموارد المائية في الصين ان حوالي 300 مليون شخص، ثلثهم من المناطق الريفية، يعتمدون على مياه تحوي «مواد مضرة».

وتعتبر الصين الآن اكبر بلد تنبعث منه الغازات الدفيئة التي تسبب الانحباس الحراري. والجفاف والفيضانات التي ضربت الصين هذه السنة تشير إلى أن قدرة الصين على الإنفاق على تشجيع النمو الاقتصادي من دون النظر إلى الدمار الذي يلحقه بالبيئة يشارف على نهايته. وهذا يعني أن نمو الصين المستقبلي سيكون اكثر كلفة، علما ان الصين المكتظة بالسكان تعد واحدة من اكثر البيئات المستغلة بكثافة في العالم.

ورغما عن ذلك، فإن المعوقات البنيوية تعتبر اقوى المعوقات أمام نمو الاقتصاد الصيني السريع، حتى عام 1980، كانت البلاد منغلقة على العالم، لكن مدن الصين كلها بحلول 1992 تقريبا، أصبحت مندمجة مع المناطق الاقتصادية الخاصة المفتوحة لأصحاب الأعمال والاستثمار الأجنبي الخاص. كان الاقتصاد الماوي غير الكفؤ قد زال وحلت مكانه الشركات التنافسية الأقوى في العالم، لكن توليد المزيد من الثروة الآن سيكون أمرا صعبا باضطراد.

وهذه الصعوبة سوف تتفاقم بتغييرات بنيوية رئيسية في الاقتصاد، منذ 1960، ازداد متوسط العمر المتوقع عند الولادة في الصين من 47 عاما إلى 74 عاما، لكن عدد الأولاد لكل عائلة تراجع من أكثر من خمسة أولاد إلى اقل من ولدين. وهؤلاء العمال سيمضون معظم سنواتهم المنتجة في رعاية والديهم، وفيما هم يقومون بذلك، فان النشاط الاقتصادي في الصين سوف يتحول من الصناعة عالية الإنتاجية إلى الرعاية الصحية ذات الإنتاجية المنخفضة، وهذا سيحد من توقعات النمو المستقبلي للصين لان زيادة الإنتاجية اصعب في الصناعات الخدمية من الصناعة والزراعة.

 

الممكن والفعل

حذر العديد من المراقبين أخيرا من الزيادة في تفاوت المداخيل في الصين. في 2003، كان لدى الصين فقط مليار شخص من أصحاب المليارات مقارنة ب 115 مليار شخص في عام 2011 بحسب مجلة «فوربس». لكن الصين لا تزال بلادا فقيرة، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالعملة الصعبة يعد اقل بكثير في الصين ( اقل من 5 آلاف دولار) من البرازيل والمكسيك وروسيا التي يتراوح نصيب الفرد فيها ما بين 9 10 آلاف دولار، وتعتبر هذه الدول أكبر ثلاث دول متوسطة الدخل في العالم، لكن مع التحاق الصين بتلك البلدان، فان معدلات التفاوت في الدخل ستزداد تباعا لتصل إلى مستويات قريبة من تلك الدول.

سوف تلعب الصين ويفترض بها ان تلعب دورا متزايدا في السياسة الأسيوية وسياسة العالم، لكن الصين ليست في موقع للهيمنة حتى على آسيا، فكيف بباقي العالم.