تمثل نهاية الحرب الأميركية الطويلة في العراق بداية اختبار لما ستؤول إليه الأوضاع هناك بعد كل هذا الجهد. فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيرا، عن عودة 39 الف جندي في العراق إلى ديارهم خلال فترة الأعياد «مرفوعي الرأس فخورين بنجاحاتهم».
وسوف يتركون وراءهم وجودا أميركيا كناية عن أكبر سفارة في العالم من دون حماية عسكرية كبيرة أو استخبارية أو سلسلة تزود بالمؤن أو النقل، فضلا عن دبلوماسيين يفترض أنهم يعملون على تشجيع السلام والتنمية في ظل عراق منقسم يعيش توترات عرقية ودينية تحيط به من كل الجهات. يقول محسن ميلاني رئيس القسم الحكومي والعلاقات الدولية في جامعة جنوب فلوريدا في تامبا: «سيحدث الانسحاب أثارا عميقة، ويفاقم التنافس على السلطة داخل العراق، ويترك القوى المختلفة رهينة أطراف خارجية إقليمية، أما الأكراد فسيتركون يتامى، ومن المحتمل ان ينحازوا إلى الطرف الأقوى في البلاد».
أما أنتوني كوردسمان، المحلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، فيرى أن القوات العراقية قد لا تكون على استعداد لتحمل مسؤولية الأمن، وأن العنف سيزداد على الأرجح، في الوقت الذي سيواجه الدبلوماسيون الأميركيون في العراق مطالب لم يسبق لهم ان تعاملوا معها من قبل، مع توقع أن تستفيد بعض الأطراف الإقليمية من الأوضاع المستجدة.
ويضيف كوردسمان: «الحقيقة تفيد أن ما تم إنجازه ليس نجاحا، لكنه بالتأكيد ليس فشلا ذريعا، بل إن ما نشهده الآن هو فراغ كبير في السلطة في العراق، والتعامل مع فراغ بهذا النطاق يمثل قضية خطيرة».
وكان عدد القوات الأميركية في العراق حوالي 90 ألف جندي عند الغزو في مارس 2003، ويبلغ اليوم 39 ألف جندي بحسب إحصاءات البنتاغون.
انتهاء الحرب
وقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيرا: «نجحنا في استراتيجيتنا لإنهاء الحرب في العراق»، واقترحت إدارته إبقاء قوة في العراق قوامها 3 آلاف جندي، إذا وافقت الحكومة العراقية على منحهم الحصانة من المقاضاة. ويرى كينيث بولاك مدير مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز أن عدد القوات الذي تم اقتراحه هو من الضآلة بحيث لن يتمكن من تحقيق شيء، ويعتقد أن العداء العراقي للوجود الأميركي والمترافق مع معارضة إقليمية، هما العاملان اللذان دفعا إلى قرار سحب جميع الجنود الأميركيين من العراق.
لكن أوباما أشار إلى ان المحادثات حول تدريب القوات العراقية وتجهيزها تمضي قدما، وأن إعلانه الانسحاب لا يستبعد احتمال بقاء بعض القوات الأميركية في العراق أو عودتها، لاسيما إذا تفاقم العنف العرقي، أو شهدت المنطقة خطوات تصعيدية.
تقول وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في تصريح لمحطة «إيه بي سي» في برنامج «ذيس ويك»: «لا يفترض أن يخطئ أحد في الحساب فيما يتعلق بمدى التزامنا في العراق، لن تكون لدينا قواعد هناك، لكن لأميركا قواعد في أماكن أخرى»، هذا في الوقت الذي يرى كوردسمان أن الولايات المتحدة تنقصها الميزانية للتعامل مع أزمه إقليمية خطيرة.
ويقول المسؤولون في إدارة أوباما إن قوات الأمن العراقية على استعداد لتولي التحدي الأمني، ويؤكد نائب مستشار الأمن القومي دنيس ماكدوناو على هذا الأمر بقوله: «أظهر تقييمنا حول وضع القوات الأمنية العراقية أنها جاهزة وقادرة، ولقد برهنت على قدرتها على مواجهة هذا التحدي».
لكن ديفيد نيوتن، السفير الأميركي لدى العراق خلال الفترة 1984-1988، يشير إلى أن القوات الأميركية عند رحيلها ستسحب الأدوات والقدرات التي كانت تشكل عونا للقوات العراقية، بما في ذلك جمع المعلومات والمعدات مثل طائرات الهليكوبتر المقاتلة، ويضيف: «توجد لدى العراقيين قوات خاصة، لكن ما زال أمامها طريق طويل لتسلكه، ومن دون الدعم الأميركي الخاص بجمع المعلومات والاستخبارات والتنسيق، أعتقد انهم أمام تحد هائل»، علما بأن هذه القوات الخاصة ستشرف عليها حكومة منقسمة على نفسها من دون مجلس تشريعي أو مسؤولين بمواقع رفيعة المستوى بمن في ذلك وزير للدفاع.
ومن جهة أخرى، يرى روبن رايت من مؤسسة السلام الأميركية أن القومية والتاريخ ستكون لهما أيضا أهمية في تحديد ما سيحصل في العراق بعد مغادرة الأميركيين، في الوقت الذي يرى آخرون أن الأوضاع في المنطقة ستشهد تصعيدا.
السفارة الأكبر
وبالمجمل سيجري تعيين 16 الف موظف يشكلون طاقم عمل السفارة الأميركية في العراق، من بينهم 1700 من الدبلوماسيين، إلى جانب خبراء في مجالات الأعمال والزراعة ومسؤولين أمنيين، في حين سيكون هناك حوالي 5 آلاف متعاقد امني لحماية الطواقم والمنشآت، بما في ذلك القنصليات، بحسب إحصاءات وزارة الخارجية الأميركية.
وسيكون مكتب التعاون الأمني المقام حديثا في السفارة الأميركية بطاقم من 160 مدنيا وعسكريا، فضلا عن 750 متعهد مدني يشرفون على برامج البنتاغون، بما في ذلك التدريب العسكري، وستتم حمايتهم وتأمين الطعام والسكن لهم من قبل طواقم متعهدين آخرين تعدادهم 3500 فرد. وسيدير المكتب عملياته من 10 مكاتب فرعية في أرجاء البلاد، وستكون للسفارة قنصليات في البصرة وأربيل وكركوك، وستقوم وزارة الخارجية بتدريب الشرطة العراقية من طاقمها الخاص.
ويقول الخبراء الأميركيون: «ما يشكل أمرا استثنائيا هو نطاق الخدمة الخارجية في السفارة الأميركية ومستوى عسكرتها، فيما هي تشرف على ألوف من أعضاء الطواقم الأمنية، وستجري إدارة خط طيران خاص لنقل الموظفين في أرجاء البلاد»، مضيفا أن هذا النوع من الأمور لا يقوم به الدبلوماسيون في العادة».
مخاطر
مع الانسحاب الأميركي من العراق، فإن الدبلوماسيين الأميركيين هناك سيواجهون مسؤوليات ومخاطر جمة، يقول نيوتن: « لقد طلب من وزارة الخارجية القيام بأمور لم يسبق لها الاهتمام بها من قبل» بما في ذلك إدارة قوة عاملة كبيرة من المتعاقدين، ويرى كوردسمان أن أمن الدبلوماسيين والمنشآت سيكون من مسؤولية 5 آلاف موظف متعاقد سيواجهون على الأرجح عنفا متزايدا وعمليات إرهابية.
أما مسؤولو المخابرات الأميركية الباقون في العراق، فإنهم إلى جانب هؤلاء المتعاقدين، سيحرمون من سيل المعلومات حول التهديدات المرتقبة التي تأتي اليوم من مواقع القوات العسكرية الأميركية في أرجاء البلاد.ويتوقع المسؤولون أن تنفجر التوترات في مدن مثل كركوك والموصل التي تتسم بالتعدد العرقي.
