انتهت الحرب العراقية، إلا أن الأخبار الآتية من ليبيا استحوذت على الاهتمام الإعلامي العالمي، وأخيرا، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عن رحيل جميع القوات الأميركية من العراق بحلول 31 ديسمبر المقبل، وقد تظاهر بالفرح زاعما أنه يحقق بذلك وعدا من وعود حملته الانتخابية، علما بأنه كان يدعم جهود البنتاغون لعقد صفقة مع رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، لإبقاء قواعد أميركية وعدة ألوف من الجنود الأميركيين هناك إلى أجل غير مسمى.
ولقد انهارت المحادثات التي أجريت في هذا الصدد لان ممثلي مقتدى الصدر في البرلمان وغيرهم من الوطنيين العراقيين أصروا على خضوع القوات الأميركية للقانون العراقي، لكن أميركا تشدد على الحصانة القانونية وترفض محاكمة جنودها من قبل أجانب في كل البلدان التي توجد بها قواعد أميركية. وفي العراق، فان القضية تشكل أمرا محرجا، وبالتحديد بعد حدوث جرائم أميركية بحق المواطنين العراقيين وفضيحة معتقل أبو غريب.
ويشكل انسحاب آخر جندي هزيمة كاملة لمشروع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الخاص بالعراق. ويتهم الجمهوريون في أميركا الرئيس أوباما بأنه تنازل أمام الضغوط الإقليمية بسحبه القوات الأميركية من العراق. ورد فعلهم هذا غني عن الشرح، ذلك أن بوش، بغزوه العراق، هو من أعطى هذه القوى هذا المنفذ الاستراتيجي، كما ان بوش هو من وقع اتفاقية انسحاب كل القوات الأميركية من العراق بنهاية عام 2011، والتي كان أوباما يأمل في تعديلها.
لكن السناتور الجمهوري جون ماكين كان محقا عندما قال إن إعلان أوباما سينظر إليه « كنصر استراتيجي لأعدائنا في الشرق الأوسط». ومن المؤسف انه لم يوجه اللوم إلى بوش وتوني بلير اللذين جعلا هذا الأمر ممكنا. والسير الذاتية للزعيمين السابقين تظهر انهما لم يتعلما الدرس بعد.
لكن ما إذا كانت هذه الدروس قد تم استيعابها من قبل القيادة الحالية الأميركية والبريطانية هو الأمر الأكثر أهمية. فنجاح «ناتو» النسبي في الحملة الليبية يستخدم الآن للتغطية على الماضي. وبالطبع، فإن توقيت مصرع الرئيس الليبي معمر القذافي غير المتوقع قد طغى بالكامل على أخبار الانسحاب الأميركي من العراق في أجندة الأجهزة الإعلامية.
لكن الماضي لم يفارقنا بعد، والدرس المهم المستفاد منه في العراق يفيد بأن حذاء غربيا يطأ أرضاً في حرب خارجية، لا سيما أرض بلد إسلامي، هو تعبير عن جنون. وهذه النقطة، على ما يبدو، قد تم استيعابها في ليبيا، حيث طلب مسؤولون أميركيون وبريطانيون وفرنسيون، في مارس الماضي، من مجلس الأمن الإذن لهم بحملتهم في ليبيا، ووعدوا بعدم دخول قواتهم على الأرض الليبية أو احتلالها.
وهذا الدرس يفترض ان ينطبق أيضا على أفغانستان، والسؤال الآن هو ما إذا كان أوباما على استعداد لسحب كل القوات الأميركية بحلول 2014. ويحاول مسؤولون في الإدارة الأميركية الآن التفاوض مع حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على إجراءات تسمح ببقاء ألوف الجنود من القوات الأميركية في أفغانستان إلى أجل غير مسمى، بعد مغادرة القوات القتالية، بوصفهم مدربين ومستشارين، وهذا استمرار للغباء المؤدي إلى تصعيد الحرب الأهلية القائمة منذ زمن في البلاد.
الآن بعد ان تم طرد القاعدة من أفغانستان، فإنه يتوجب على واشنطن دعم المفاوضات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل طالبان وتنهي القتال بين الأفغانيين. والعراق لا يشكل ملاذا لحالة استقرار مضمونة، لكن البلاد من دون وجود القوات المقاتلة الأميركية على امتداد الـ 15 شهرا الأخيرة، تمكنت من تحقيق السلام، وإن كان ينقصه الاستقرار. وإذا ما تم تشجيع المحادثات بشكل جدي في أفغانستان، فإنه يمكنها أن تحذو حذو العراق، ما ان تنسحب القوات الأجنبية في النهاية.
هزيمة مدوية
باتت خطة المحافظين الجدد العليا في حالة يرثى لها في العراق، وهي التي كانت تقتضي استخدام غزو العراق في 2003 لتحويله إلى دولة آمنة ديمقراطية مؤيدة للغرب وإلى حامية للقواعد الأميركية للضغط على الدول التي تقف في وجه أميركا في المنطقة.
كما أن آمالهم في جعل العراق نموذجا ديمقراطيا للشرق الأوسط قد انقلبت على رؤوسهم. فحالة الفوضى وسفك الدماء التي اطلقتها أميركا في العراق كانت بمثابة مثال حاول العرب تفاديه وليس تقليده، وقد حققت الانتفاضات المستقلة ذاتيا المطالبة بالديمقراطية في مصر وتونس هذه السنة اكثر بكثير مما حققته أميركا في العراق على صعيد دفع المنطقة وتقويض الدكتاتوريات القائمة فيها. وعندما بدأ الربيع العربي، وجدت الحكومة العراقية نفسها في موقف دفاعي، بعد توجه المتظاهرين إلى الشوارع في بغداد والبصرة للاحتجاج على استبداد حكومة المالكي المدعومة أميركيا.
