الدائنون والمقرضون يمكنهم أن يكونوا أشبه بالطغاة بالنسبة للمستدينين، ذلك أن الحكومات، في خضم المصاعب المالية، غالباً ما تتجه للتوسل إلى صندوق النقد الدولي، الذي يفرض إجراءات قاسية عليها، بناء على شروط المساهمين الرئيسيين فيه.
وخلال أزمة السويس عام 1956، هددت أميركا بحجب التمويل عن بريطانيا، التي كانت في أمس الحاجة إليه، إذا لم تسحب قواتها من قناة السويس. ويقول هارولد ماكميلان، الذي كان وزير الخزانة البريطاني حينها، متذكرا هذه الفترة: إنها كانت اللهاث الأخير لقوة في طور الانحدار مضيفاً إن أميركا بعد 200 عام ربما ستشعر بما شعرنا به في تلك الأزمة.
فهل نقترب سريعا من ذاك الزمن الذي تحدث عنه ماكميلان، في ظل استعدادات الصين لاستلام الدفة من الولايات المتحدة؟ فالصين في طريقها لتصبح قوة اقتصادية عظمى، وقد تضطر أميركا لمشاركتها المسرح الدولي في المستقبل، لكن في أميركا هناك من يعتقد أن التهديد الصيني لا يوشك على الإطاحة بالولايات المتحدة من سدة قيادة العالم.
هكذا، يستنتج الباحث الاقتصادي باري اشنغرين في كتابه الامتياز المفرط، فيقول: الأخبار الجيدة، كما تبدو عليه، هي أن مصير الدولار يتقرر بين أيدينا وليس بين أيدي الصينيين. بتعبير آخر، إذا ما تمكنت أميركا من تنظيم وضعها الاقتصادي، فإن بإمكانها قطع دابر التهديد الصيني.
لكن مثل هذه الآراء تقلل من شأن احتمال أن تصبح الصين الدولة المهيمنة اقتصاديا بعد 20 سنة، وتظهر منظورا أحاديا متمركزا حول أميركا: الهيمنة على العالم تحدده في الغالب أفعال الولايات المتحدة، في حين أن ما سيخرج من هذا السباق سيكون على الأرجح من صناعة الصين.
العالم في 2030
تتمثل الهيمنة الاقتصادية، في أوسع معانيها، بقدرة الدول على استخدام الوسائل الاقتصادية، لدفع دول أخرى إلى القيام بما يرضي رغباتها، أو لمنع تلك الدول من إجبارها على القيام بما لا ترغب فيه. ومؤشر الهيمنة يجمع ثلاثة عوامل وهي: الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، والتجارة الخارجية والمدى الذي وصلت إليه البلاد في سعيها لتصبح دائنة دينا صافيا لباقي العالم، وما تبقى من قوة عسكرية وغيره هو تحصيل حاصل واشتقاق عن هذه العوامل.
ولقد تم إعداد هذا المؤشر بالعودة بالزمن إلى الوراء، إلى عام 1870، مع التركيز على اقتصاد كل من بريطانيا وأميركا، ومن ثم إسقاط هذا المؤشر على عام 2030، لكن مع التركيز على أميركا والصين. وتوقع المؤشر أن يشهد الاقتصاد الصيني تراجعا كبيرا في النمو يصل إلى معدل 7% على مدى السنوات العشرين المقبلة بالمقارنة مع حوالي 11% على مدى العقد الماضي. وفي المقابل، جرى افتراض نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 2.5% في السنة، ويعتبر هذا الافتراض متفائلا بالمقارنة مع التوقعات الرسمية للنمو طويل الأمد للاقتصاد الأميركي.
وتحليل المؤشر يشير إلى أن التراجع الأميركي النسبي بحلول 2030 سيثمر عالما ذا قطب واحد تهيمن عليه الصين، وليس عالماً متعدد الأقطاب، وستشكل الصين ما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالمقارنة مع أقل من 15% لأميركا. وسيزداد متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 33 ألف دولار، وهو ما يوازي نصف معدل نصيب الفرد من الناتج في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، سوف تولد البلاد 15% من إجمالي التجارة العالمية، أكثر من ضعفي المعدل الأميركي، وبحلول 2030، سوف يهيمن الاقتصاد الصيني على العالم.
وصعود الصين أصبح أمراً وشيك الحدوث. فأميركا تعد بلدا مدينا حيث تستقبل حوالي 50% من صافي تدفقات الرساميل في العالم، في حين أن الصين هي دائن صاف للعالم، وفي 2010، كان تفوق أميركا على الصين هامشيا، بفارق يقل بنقطة مئوية في مؤشرات الهيمنة. وسيكون اليوان مستقبلا خصما موثوقا به كاحتياطي عملة في العالم مقابل الدولار.
والمتوقع أن تتسع الفجوة بين الصين وأميركا في المستقبل، وتشير توقعات 2010 إلى أن الفروقات بين الصين وأميركا في 2030 ستكون شبيهة بالفروقات ما بين أميركا وخصومها في منتصف السبعينات في ذروة الهيمنة الأميركية.
باختصار، فإن الهيمنة الاقتصادية للصين في المستقبل هي حقيقة وشيكة، وستكون أقوى واكثر تنوعا مما يعتقد الآن.
في قوة الثور
ومع ذلك، تبقى الهيمنة الاقتصادية للصين فريدة من نوعها، فعلى نقيض الأوضاع في الماضي، حين كانت القوتان المهيمنتان الأميركية والبريطانية تتصفان بالغنى نسبيا بالمقارنة مع خصومهما، فإن الصين ستكون بدلاً من ذلك، بلادا بدخل متوسط أو أعلى من المتوسط. فهل تستطيع دولة ما أن تكون مهيمنة حتى إذا لم تصل إلى مصاف الدول الأغنى في العالم؟
هناك ثلاثة أسباب مقنعة تدفع للاعتقاد بأن هذا الأمر غير ممكن، أولا، قد تحتاج دولة فقيرة نسبيا إلى التعامل مع التحديات المحلية التي تعتبر اكثر إلحاحا. وثانيا، قد لا تكون قادرة على حشد الموارد المطلوبة لفرض قوتها في الخارج، وثالثا، للدولة الفقيرة نفوذ محدود في الخارج إذا لم تكن لديها القوة الناعمة، فالزعامة المتأتية من الهيمنة تدوم إذا ما كانت مصدر إيحاء للآخرين، والدولة الغنية هي التي تكون فقط مصدرا للأفكار والتقنيات والمؤسسات والممارسات بالنسبة للآخرين.
وعلى الرغم من ان الصين من غير المرجح أن تتحلى بهذه القوة الناعمة، إلا أنها تمارس الآن أشكالا أخرى من الهيمنة، وتعتبر سياسة تخفيض قيمة العملة استراتيجية كلاسيكية للصين لإفقار الجار، تقوم على تقويض انفتاح الأنظمة التجارية والمالية في العالم وإيجاد شروط سهلة للسيولة، وهو ما ساهم في الأزمة الاقتصادية الحالية، فالهيمنة الصينية لا تلوح في الأفق، بل إنها موجودة بالفعل.
الغرق بالأرقام
وهل بإمكان أميركا عكس هذا الاتجاه؟ إن مستقبلها الاقتصادي يوحي بالقلق، وهي تعاني من مشكلة مالية واقتصادية تتعلق بالنمو وربما مشكلة مستعصية فيما يخص الطبقة الوسطى. والتخفيضات الضريبية المتتالية والحربين والأزمة المالية والاقتصادية خلال الفترة 2008-2010، والنمو الهائل في الاستحقاقات طويلة الأجل المتعلقة بالصحة، واحتمال مفاقمة أصول متعثرة ستتحمل الحكومة مسؤوليتها في النهاية، كل تلك الأمور تثير شكوكا حيال الميزانية العمومية للقطاع العام. ويحبط ارتفاع الدين المترافق مع بطالة طويلة الأمد، النمو على المدى البعيد، أما ركود المداخيل بالنسبة للطبقة الوسطى وزيادة التفاوت وعدم المساواة وتدني المرونة، فيؤدي إلى مشكلات عميقة في توزيع الدخل. وتشعر الطبقة الوسطى بالخناق في مواجهة المنافسة المتأتية من الصين والهند.
لكن هناك فوارق حيوية اليوم يفترض أن تثبط أي آمال في ذلك، كان لدى أميركا في التسعينات دين حكومي يقل بكثير عما سيكون لديها في المستقبل، وكان معدل الدين العام إلى الناتج المحلي في حدود 42%، في حين أن الرقم المتوقع في عام 2020 سيقارب 100%. في التسعينات كان الاستحواذ الأجنبي للدين الحكومي الأميركي قد وصل إلى 19% أما اليوم فإنه يشارف نسبة 50%، وأغلبه يعود إلى الصين. وفي التسعينات أيضا، لم تكن البلاد في وارد البدء باحتساب كلفة الاستحقاقات، وحتى نمو بنسبة 3.5% قد لا يكون مناسبا للحفاظ على الثقة في النموذج الأميركي.
إن هذا يعني أن أميركا لا تستطع التهرب من المنطق العنيد للديمغرافيا، أو من واقع أن دولاً فقيرة، وبالتحديد الصين، تعمل على اللحاق بها. ومع استمرار الصين في النمو، فإن الهوة ستتسع، وأميركا التي ستشهد طفرة من جديد قد يكون بمقدورها إبطاء هذا المسار، لكنها لن تستطيع منعه.
العودة إلى السويس
والآن لنتخيل وضعا في المستقبل القريب تتعافى فيه الولايات المتحدة من أزمتها، لكنها تبقى تحت عبء مشكلاتها البنيوية، وحيث للصين اقتصاد وتدفق تجاري أكبر بمرتين من أميركا، وحيث الدولار يفقد رونقه في حين يرتفع الطلب على اليوان كاحتياطي عملة.
وكما حصل عام 1956، حين كانت هناك شكوك حيال قيام واشنطن بعمليات بيع هائلة للإسترليني في نيويورك بهدف إجبار الحكومة البريطانية سحب قواتها من قناة السويس، تحوم الشائعات حول أن الصين تخطط لممارسة نفوذها المالي، حيث لم يعد بإمكانها تحمل الوجود البحري العسكري الأميركي في المحيط الهادي، وأنها بدأت ببيع احتياطي العملة لديها الذي يصل إلى 4 تريليونات دولار. فيصاب المستثمرون بالرعب خوفا من انهيار الدولار، وتبدأ أميركا بخسارة تصنيفها الائتماني، ولا تجد المزايدات على سندات الخزانة الأميركية من يشتريها. وللحفاظ على الثقة، يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، ولا يستغرق الأمر طويلا، قبل أن تصبح هذه الفوائد أعلى من معدلات النمو. والتعثر في دفع استحقاقات الدين الأميركي سيكون قاتلا لجهود الحفاظ على ما تبقى من الدور الأميركي حول العالم.
لكن عندها تكون الصين التي تعتبر المصرف الأكبر في العالم منذ 2000، قد سيطرت على مصادر المال. وعلى الرغم من أنها تجد إنقاذ الصندوق أمرا ضروريا، فإن لديها شرطا مسبقا: انسحاب الوجود البحري العسكري الأميركي من غرب المحيط الهادي. ولهذا الطلب مخالب لأن الصين كأكبر مساهم في الصندوق، يمكنها بسهولة أن تعيق الطلب الأميركي في الحصول على تمويل، وخلال ذلك، قد تكون الصين حصلت على حق الفيتو بفضل عملية إصلاح الحكم المتوقعة في 2018.
قد يقول البعض إن هذا السيناريو من وحي الخيال. فأميركا قبل أي شيء، كان بإمكانها قطع التمويل بسهولة عن بريطانيا في عام 1956، لأن هذا لم تكن له تبعات جسيمة على الدولار أو الاقتصاد الأميركي. لكن إذا باعت الصين سندات الخزانة الأميركية مستقبلا أو توقفت عن شرائها، فان الدولار سيتراجع، في حين سيرتفع اليوان، وهذه النتيجة، بالتحديد، تصب في صالح ما تريد أن تتجنبه الصين.
لكن كل هذا لا يأخذ بعين الاعتبار أن حوافز الصين قد تكون مختلفة كليا في المستقبل. فبعد عشر سنوات، قد تكون الصين أقل تعلقا بإبقاء اليوان ضعيفا، وإذا استمرت الصين بشكل بطيء في تدويل عملتها، فإنه سريعا ستختفي قدرتها على إبقاء اليوان ضعيفا أو مصلحتها في ذلك. وبإمكان الصين ان تعجل في تسريع أنماط التاريخ، بحيث تواجه أميركا تراجعها بأسرع مما تصور ماكميلان أو ما يتصوره العالم الآن.
ترجمة: نهى حوّا
