الذروة بالنسبة لسكان العالم من البشر أصبحت عند الأفق، وحتى مع تجاوز عدد سكان الكرة الأرضية عتبة السبعة مليارات نسمة، فإن معدل نمو السكان العالمي قد انخفض منذ الستينات إلى النصف، ويصدر قسم السكان التابع للأمم المتحدة تنبؤات قصيرة ومتوسط وبعيدة المدى في هذا الشأن، ومن المحتم أن التنبؤ الأعلى، وهو وصول عدد سكان كوكب الأرض إلى 15 مليار نسمة في عام 2100، يحظى باهتمام عالمي أكبر من التنبؤ الأقل، وهو الوصول إلى 6 مليارات نسمة والتراجع عن ذلك. ولكن في ضوء أن هذه التنبؤات قد برهنت بصفة عامة على أنها أعلى من اللازم في العقود القليلة الماضية، دعنا نتصور للحظة ما يمكن أن يحدث إذا برهن هذا التنبؤ على أنه صحيح مرة أخرى.
إن إفريقيا في الوقت الراهن هي القارة التي تتسم بأعلى معدلات المواليد، ولكنها في الوقت نفسه تتسم بأسرع نمو اقتصادي. فقد شهد العقد الماضي نموا بأسلوب النمور الآسيوية على امتداد إفريقيا بأسرها، وفيروس الإيدز في في تراجع وكذلك الملاريا تتقلص، وعندما انخفضت وفيات الأطفال وارتفع النمو الاقتصادي على هذا النحو في اوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا كانت النتيجة انخفاضا سريعا في معدل ولادة الأطفال. ولكي تتراجع الخصوبة فإن منع الحمل يقدم السبيل إلى ذلك، ولكن النمو الاقتصادي والصحة العامة يقدمان الحافز لذلك، ولهذا فإن التراجع البطيء في معدل الولادة في إفريقيا ربما يصبح هبوطا كبيرا.
إذا حدث ذلك، فإن تقدير الأمم المتحدة المنخفض لعدد سكان الكوكب يمكن أن يبرهن على أنه أكثر دقة، مع وصول عدد سكان الأرض إلى ذروة تزيد قليلا على 8 مليارات نسمة، وتراجعه بمقدار مليار نسمة في مثل هذا اليوم في نهاية القرن.
تصور أيضا أن الإنتاجية الزراعية ستستمر في الارتفاع، وسيتيح الوقود الوفير تحقيق انخفاض ملموس في أسعار المخصّبات، وسيضمن الطلب من جانب الصين أن نوعيات جديدة من البذور وأساليب تخزين أفضل ومخصبات أرخص ستصل إلى المزارعين الأفارقة، وتصور أيضا أن حواجز التعرفة الجمركية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الإنتاج الإفريقي سوف تـُزال، وأن السياسة الأميركية المجنونة القائمة على تحويل الغذاء إلى وقود للسيارات سيتم التخلي عنها.
دعنا نحلم أيضا بأن اعتراض أوروبا المتصلب على التعديل الجيني قد تم إسقاطه في هدوء، الأمر الذي يطلق العنان للعديد من المحاصيل التي تتسم بقدرتها على مقاومة الجفاف وتحمـّل الأملاح، والتي تعد محاصيل أفضل من حيث إمكانية توظيف المخصبات النتروجينية ويمكن حمايتها بشكل أفضل من الحشرات. دعنا نفترض أن الكفاءة التي تحول بها الأبقار والدجاج وغيرها النباتات إلى لحم ستستمر في التصاعد بفضل التهجين الانتقائي، من دون أي تدهور لحياة هذه الكائنات.
حتى إذا حدث نصف هذه الأشياء فإن تغذية 6 مليارات من البشر، أو حتى 9 مليارات منهم في عام 2100 ستقتضي مساحات من الأرض أقل مما تقتضيه تغذية 7 مليارات نسمة اليوم. وستعيش نسبة أكبر من البشر من المدن الأمر الذي يحرر مزيدا من الأرض، ومع قدرة المزيد من الناس على استهلاك أنواع الوقود الأحفوري، فإن أعدادا أقل منهم سوف تعتمد على الغابات كوقود للطهي، الأمر الذي سيحرر المزيد من الأٍرض من الضغط البشري عليها. وإذا ارتدى الناس ملابس من أنسجة صناعية بدلا من ملابس من الصوف، وعاشوا في مساكن مشيدة بالحديد والأسمنت بدلا من مساكن مبنية بالأخشاب، فإن بصمة حياتهم على كوكب الأرض سوف تتقلص، بل إن بصمتهم الكربونية ستتراجع مع حلول الغاز محل الفحم والنفط.
دعنا نتصور أيضا أن استخدام الماء يبدو أكثر كفاءة مع انتشار الري بالتنقيط، حيث يتم توصيل الماء مباشرة إلى بذور النباتات من الأنابيب، وهو ما يقلص الهدر المائي إلى نحو 10% فقط، ودعنا نتصور أيضا أن استزراع الأسماك سيقدم مقادير أكبر من البروتين للبشر، وبالتالي يرفع الضغط عن أعداد الأسماك الموجودة بالفعل.
دعنا في نهاية المطاف نركز على ما يمكن أن يكون مناسبا لكوكبنا على الأقل لتشجيع تحقيق ذلك الأمر المناسب، ففي نهاية هذا القرن يتعين أن يكون على الأرض عدد أقل من السكان يعيشون في مستويات معيشة أعلى وفي بيئة أفضل.
