هل يشعر أحد بالدهشة حيال ما وصلت إليه أوروبا؟ خلافاً لما تشير إليه عناوين الصحف، فإن صانعي السياسات في أوروبا لم يغادروا بروكسل، أخيراً، بخطة نهائية وشاملة لوضع نهاية لأزمات ديون منطقة اليورو. وهي الخطة التي كانوا قد وعدوا بإنجازها في وقت سابق.

 ولا يزال الغموض يحيط ببعض الإجراءات التي أعلنوا عنها، بما في ذلك تلك المتعلقة بزيادة طاقة انطلاق صندوق إنقاذ الاتحاد الأوروبي ودعم مصارف القارة. والخلافات المتبقية دونما حسم تعد خلافات خطيرة، الأمر الذي يعني أننا لا نزال بعيدين عن وضع حد للقمم المتعلقة بأزمة اليورو.

غير أن ما أوضحته القمة هو أن منهاج الخطوة خطوة الذي تتبعه أوربا لن يتبلور متحولاً إلى حل حقيقي ودائم إذا واصل صناع السياسات في أوروبا تجاهل الأنيميا الاقتصادية الكامنة التي أثرت على اقتصادات أوروبا على امتداد عقود من الزمن. لقد نهض المريض من فراشه ولن يسقط ، وهذا تعريف للتقدم الذي تم إحرازه.

إن الصفقة التي توصل إليها صانعو السياسات، أخيراً، هي من النوعية المألوفة في بروكسل حيث ستحصل اليونان على رزمة أخرى من قروض الإنقاذ يبلغ إجمالها 130 مليار يورو، وستعطى الدفعة للأمام لآلية إنقاذ الاتحاد الأوروبي، ولكن دعنا نتناول هذه الصفقة شريحة فأخرى.

إن أكبر إنجاز هو الاتفاق على فرض إجباري لشطب 50% من ديون الحيازات الخاصة اليونانية، وهذا يعد تقدماً بالنسبة لقارة لم تكن تجرؤ قبل أسابيع قلائل على نطق كلمتي شطب الديون.

ولكن هذا يعد عزاء محدوداً الآن ، وقد أصبح البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي وحكومات منطقة اليورو تحوز حوالي 40% من الدين اليوناني كله، وهو رقم سوف يتزايد مع حلول موعد سداد السندات المملوكة من قبل القطاع الخاص.

وطالما أن هذه المؤسسات ترفض القيام بعمليات شطب دين على حيازتها من الديون اليونانية ، فإن الشطب من الحيازات الخاصة لا يمكن أن يمضي إلا نحو تقليص محدود لمال الدين. وعملية الشطب التطوعية يتوقع أن تخفض الدين اليوناني بمعدل 120% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020، وهذا في حد ذاته يعد نكتة على وجه التقريب، حيث يعطي معنى جديداً لتأجيل الأمور إلى المستقبل، وهذا هو أفضل سيناريو.

وللحيلولة دون التأثير السلبي لهذه الخطوة على البنوك الأوروبية، فإن الصفقة تتضمن إجراءات إنقاذ بالنسبة لرسملة البنوك، وأحد هذه الإجراءات يقتضي من بنوك منطقة اليورو أن تحقق نسبة رأسمال 9% في يونيو 2012.

وتقدر هيئة البنوك الأوروبية أن هذا يصل إلى ثغرة حجمها 106 مليارات يورو بالنسبة لأكبر بنوك أوروبا يتعين عليها أن تردمها، ولا يزال علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كانت هذه المتطلبات الجديدة بالنسبة لرأس المال ستحدث تأثيراً جيداً، ولا تزال في الذاكرة ما حدث في هذا الصدد بالنسبة لمنح بنك ديكسيا الفرنسي أخيراً.

وهناك ركن آخر في رسملة البنوك يتمثل في أن الحكومات الوطنية سوف تزيد ضمانات بنوكها. ويشير البيان الصادر عن هيئة البنوك الأوروبية إلى أن هذه الضمانات العامة تمس الحاجة إليها لدعم البنوك "في مواجهة خفية من المخاوف المتزايدة فيما يتعلق بالدين السيادي". وإذا ترجمنا هذا القول إلى أي لغة، فإنه سوف يعني المزيد من الإنفاق الحكومي والضمانات الضريبية لكبح جماح المخاوف من أن حكومات أوروبا واقعة بالفعل في هوة من أعمق الهوات في تاريخ الدين الأوروبي.

وذلك يعيدنا إلى الشريحة الأخيرة من قرارات قمة بروكسل، وهي تتمثل في الاتفاق على دعم تسهيلات الاستقرار المالي الأوروبي المقدرة بـ 440 مليار يورو. وبالطبع فإن التفاصيل سوف يتم التفاوض عليها لاحقاً، ولكن صندوق الإنقاذ قد خول له الآن أن يتحرك كضامن للسندات، يضمن الخسائر الأولى وصولاً إلى مقدار لم يحدد بعد على الإصدار الجديد للدين السيادي لمنطقة اليورو.

ويعد الأساس القانوني لهذا شيئاً ملتبساً بمقتضى معاهدة روما التي تمنع صراحة الدول الأعضاء من أن تضمن إحداها دين الأخرى. والتأمين لا يأتي رخيصا عندما تكون الدول ذات السيادة التي يجري التأمين عليها هي نفسها التي قد تتعرض للإفلاس من خلال اضطرارها لدفع المزيد من صندوق تأميني. وربما يؤدي ضمان الخسارة الأولى إلى تقليل احتمال الإعسار، ولكنه يرفع تكاليف الإعصار إذا وقع بالفعل، وباختصار فإن الجميع ينتشل الجميع الآن.

ليس من المدهش أن الأسواق قد انتعشت في مواجهة الاخبار القادمة من بروكسل، حيث كسب اليورو 2.4% في مواجهة الدولار، وتلك ليست المرة الأولى التي تطلق فيها قمة تعقد في بروكسل شعورا بالارتياح في السوق. ولكن من دون نمو اقتصادي وإصلاح أكثر تجذراً، فإن صفقة بروكسل لن تكون إلا أحدث مسكن.