إن التحدي الأكبر أمام تونس الآن هو صياغة دستور جديد يحمي الحريات السياسية التي طالبت بها الانتفاضة الشعبية في الأساس. فبعد إشعالها لما أصبح معروفا بالربيع العربي، تقود تونس المنطقة اليوم بإجراء انتخابات نزيهة تتمتع بحضور حماسي للناخبين وبنتائج مشجعة للغاية. فالأحزاب الثلاثة التي حصدت أعلى الأصوات في هذه الدولة التي تعتبر الأكثر ديمقراطية بين دول شمال إفريقيا، لا تمت للطبقة الوسطى المترفة الحضرية بصلة، ولا لأي من شرائح مجتمع الأعمال الذي كان مستفيدا من دكتاتورية الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. وكذلك، فإن لهذه الأحزاب إرثا نضاليا من أجل القيم الديمقراطية.
وكانت هناك أسباب تدعو للقلق حيال عودة بروز النظام السابق في تونس بوجوه جديدة، مشابها للقلق الذي يسود مصر ما بعد مبارك، لكن الآن يبدو ان هذا الاحتمال غير مرجح.
الحزب الذي برز من صناديق الاقتراع حاصدا أكثر الأصوات هو حركة النهضة، التي عانت قمعا شديداً تحت حكم الرئيس المخلوع بن علي، وحظيت باحترام كبير جراء تضحياتها. وهذا الحزب الذي ينتمي إلى الإسلام الديمقراطي الحديث خاض حملته الانتخابية على مسألتين تهمان معظم التونسيين، وهما: الفساد والبطالة، وبوجه خاص بطالة الشباب.
ولقد حاولت الأحزاب العلمانية العديدة الأصغر حجما استغلال الرهاب من الحركات الدينية، علما أن هذه ورقة يسهل التلاعب بها نسبيا، نظرا لهيمنة وسائل الإعلام الحكومية على مدى عقود على التيارات الدينية، لكن جهودها باءت بالفشل. وقد حظى الناخبون بفرصتهم الأولى للاستماع إلى مرشحي حركة النهضة، ولم يشعروا بالنفور مما سمعوه. وبذلت حركة النهضة جهودا خاصة للظهور بمظهر من يريد حكومة وحدة وطنية شاملة ويحترم كافة وجهات النظر. كذلك توجهت الحركة إلى الناخبين في الداخل التونسي الأكثر تعرضا للفقر، موضحة أنها لن تكون حزبا للساحل المتوسطي فقط، كما كان نظام بن علي سابقا.
أما الأحزاب الأخرى الرئيسية التالية، وهي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، فكلاهما يتمتعان بسجل مبدئي قوي في نضاله ضد الفساد والدكتاتورية، ولدى التكتل خلفية مميزة في الحركة النقابية التي كانت، كما هي الحال في مصر، من الأركان الرئيسية للصراع الذي أطاح ببن علي.
وعلى الرغم من أن مصر تم ربطها بصورة حتمية بتونس في عناوين الصحف العالمية لكونها الدولة العربية الثانية التي حققت تغييرا في النظام هذه السنة بالوسائل السلمية، إلا ان تركيا هي التي قد توفر النموذج الأفضل لتطور تونس السياسي المستقبلي. ففي ظل حكم أتاتورك، فرضت على تركيا العلمانية والتحديث، وهذا ما شهدته تونس تحت حكم الرئيس التونسي الأول للبلاد الحبيب بورقيبة، ولقد أجبرت النساء على خلع الحجاب في المدارس والجامعات والوظائف العامة، وسمح لهن بالترشح للانتخابات البرلمانية، وتم تشريع الإجهاض ومنع تعدد الزوجات، ولم يسمح بالزواج إلا بعد موافقة العروس.
لكن كان هناك هبوط حاد للنظام في تركيا، حيث تمكن الجيش التركي المنخرط سياسيا إلى حد كبير من إغناء نفسه، وشن انقلابات عسكرية، وسجن مئات من المعارضين، وشهدت تونس قمعا مماثلا تحت ستارة لجم التيارات الدينية.
الآن، يوجد في تونس جيل جديد متحمس لإدارة ظهره لتلك الممارسات، تماما كما فعل جيل مثله في تركيا منذ عقد من الزمن، عندما جرى انتخاب حزب التنمية والعدالة أي الإسلاميين المعتدلين لتولي مقاليد السلطة. لقد مضى زمن طويل في شمال أفريقيا منذ أن قام الجيش في الجزائر بالحيلولة دون إعلان فوز انتخابي من قبل معتدلين إسلاميين في 1991، مما اقحم البلاد في حرب أهلية، وأوجد فرصا لبروز مؤيدين لأشكال اكثر تطرفا من الحركات الدينية يدعون لحمل السلاح، كما أن تونس كانت دوم ا بكليتها مجتمعا مدنيا، ولن تكرر هذا الخطأ الآن مع انتصار الإسلاميين في أول انتخابات حرة تشهدها البلاد.
والتحدي الأكبر أمام البلاد الآن هو وضع دستور يحمي الحريات السياسية التي طالب بها المنتفضون ضد بن علي. والمجلس التأسيسي المنتخب هو المكلف بهذه المهمة، ويتعين عليه تشكيل حكومة للبدء بحل مشكلة البطالة. والأزمة المالية التي تشهدها أوروبا لن تسهل هذه المهمة، وقد انهارت السياحة، وقد لا تتمكن الحكومة التونسية من إعادة إنعاشها بسرعة، على الرغم من أن البلاد قد برهنت على كونها آمنة بالنسبة للزوار الأجانب.
باختصار، الطريق أمام تونس بعد الانتخابات ليس ممهدا، بل ينطوي على صعوبات جمة، لكن البشائر، على الأقل، تبدو ظاهرة للعيان في تونس اكثر مما هي في مصر أو جارتها ليبيا.
قضية مهمة
من القضايا المهمة المطروحة في تونس بعد الانتخابات تلك التي تتعلق بالحجاب، وما إذا كانت العلمانية المتشددة التي حظرت الحجاب ستصبح أكثر تقبلا لأفكار أخرى، وستواجه حركة النهضة صعوبات اقل في إعادة حق النساء في ارتداء ما يرضيهن في الوظائف الحكومية مما كان الوضع عليه في تركيا، حيث منع الحجاب مكرس في الدستور، وما زال نافذ المفعول. أما في تونس، فقد فرض حظر الحجاب بتشريع، وبإمكان أي برلمان جديد أن يعدل القانون. وكما قال مؤسس حركة النهضة راشد الغنوشي خلال الحملة: نحن نعارض فرض الحجاب باسم الإسلام، تماما كما نعارض حظر الحجاب باسم العلمانية أو الحداثة.
