لم يكن مسار الربيع العربي، الذي هلل له كثيرا في الأسابيع الأولى من هذه السنة، ممهدا كما كان يتمنى أكثر المؤيدين المتحمسين له. والتناقضات الصارخة في الأيام الأخيرة زودت بأسباب كثيرة للتفاؤل كما بأسباب كثيرة للتشاؤم، فضلا عن تحذيرات من التسرع في إصدار الأحكام.

فقد أجرت تونس انتخاباتها الحرة الأولى لاختيار مجلس تأسيسي يضع دستورا جديدا للبلاد، وقد بلغت نسبة حضور الناخبين 90% من إجمالي المسجلين، وهي نسبة كبيرة بكل المعايير.

وفي تلك الأثناء، كانت ليبيا على الجانب الآخر من الحدود، تبدأ بإجراء جردة حساب لانتفاضتها وللحرب الأهلية التي أعلن عن انتهائها بعد مصرع القذافي الذي اقسم على القتال حتى النفس الأخير، الأمر الذي حرم ليبيا من انتقال سلمي نسبيا، في حين فر الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي قبل انتشار العنف في البلاد.

وليبيا المعمدة بالدم من المرجح ان تجد طريقها إلى الدولة الحديثة اصعب وأكثر قسوة وإثارة للمتاعب، مما ستكون عليه الأوضاع في تونس أو حتى مصر، لكن من السابق لأوانه إعلان أي من هذه الثورات في أمان. فعلى الرغم من كون تونس أصغر حجما وتماسكا من مصر، إلا أنه يتعين عليها مواجهة بعضا من تناقضاتها أيضا.

ولقد حصدت الحركة الإسلامية أعلى نسبة من الأصوات في تونس، والنماذج التي تتطلع إليها تلك الحركات وكيفية تعاملها مع حصتها الشرعية في السلطة ستقرر مستقبل هذه البلدان والسهولة التي ستحتل بها مكانها في العالم، وتعتبر تونس رائدة لكونها أول بلد من بلاد الربيع العربي يجري انتخابات ناجحة، وما جرى يبدو واعدا، لكنه يمثل بداية الطريق.